| kasim matrood |
|
|
| |
| اشترك في: 20 اكتوبر 2007 |
| مشاركات: 1025 |
| المكان: London |
|
|
 |
 |
 |
|
ضد الشعر
( الحداثة في النص الدرامي المعاصر)
شاكر عبد العظيم
لتكمن اهمية الكاتب النرويجشي (هنريك ابسن)من مواصفات تجلت في ذهنيته الفذة التي عبرها استطاع الأطاحة بتاريخ الشعرية التي بنيت عليها كافة النصوص المسرحية السابقة له رغم ان هناك من يزعم ان ابسن بدا يكتب اعماله الاولى بنفس الوتيرة التي كان سابقوه يكتبون بها وهو ما يدلل على وعيه للنسف والإطاحة بالنظم الساكنة في الكتابة للمسرح. فشكل(ابسن) أهم علامة حداثية في تاريخ المسرح قبل (برتولد بريخت) ويؤكد ذلك الكثير من نقاد الحداثة في الأدب والمسرح , منهم الناقدان ( ماكلوم برادبري وجيمس مكفارلن) ، إذ ان الكتابة المسرحية قبل ( ابسن ) كانت شعراً , الا ان ( ابسن ) يعد الأول في تاريخ الدراما الذي كتب المسرحيات نثراً وهو ما يشكل فتحاً جديداً في عالم الكتابة للمسرح .
هناك أساسان , موضوعي وشكلي( لغوي) , من خلالهما يمكن تحديد سمات المسرح الحديث , وهي المعاصرة الذي بدأت مع موضوعات ( أبسن ) واكتشاف طاقات النثر المسرحي , وهذان الأساسان مرتبطان حتماً بـ ( ابسن ) كما ان ما يؤكد عليه النقاد , باعتبار ان أهم حادثة في تاريخ المسرح الأوربي المحدث كانت تشير إلى تخلي ومغادرة (ابسن) للشعر المسرحي ليتحول بعد ذلك إلى كتابة المسرحيات النثرية التي تعالج مشاكل معاصرة رغم ان تلك المشاكل لم تكن لتشكل أولوية وأهمية في سلم التغير الذي أحدثه , لقد قضى (ابسن) اثنان وسبعون عاماً متنقلاً في أكثر بلدان أوربا وعاصر أكثر مشاكلها وحروبها وأزماتها , وكتب عنها بحيادية ولم يكن كاتباً اسكندنافياً فحسب بل كاتباً أوربياً عرض له الكثير من مسارح أوربا أعماله في وقت واحد , كما قدمت أعماله من قبل المسرح الحر في برلين , والمسرح الحر في باريس , والمسرح المستقل في لندن . وبعد ذلك أصبح نشر مسرحية لابسن يكون حادثة أوربية مهمة ومتميزة وترجمت أعماله إلى اغلب دول العالم.
لقد عدت تلك الواقعة ( الابسنية ) الأكثر أهمية في تاريخ الدراما الحديثة لانها فضلاً عن أهميتها في تحديث الشكل والمضمون في بناء المسرحية الحديثة ،فأنها جعلت من المسرح ليس مكاناً للتسلية بقدر ما هو مكان لعرض قضايا اجتماعية واقعية خطيرة و(بيت الدمية) أهم الشواهد على هذا الرأي بالاضافة الى مسرحيات (عدو الشعب ،البطة البرية ، حورية البحر، اعمدة المجتمع ، وغيرها )، بيد أنها قد أسيء فهمها , إذ لم يكن يجابه ابسن بالترحاب ولا بسمعه حسنة جراء ذلك , لكنه حدد أهدافه أو ما كان يرمي إليه , لأنه نظر إلى الشعر نظرة مخالفة ، نظر إلى الشعر على اعتباره قد الحق ضرراً غير محدود بفن المسرح , وبفعل ذلك الضرر فقد ابتذلت أشكال الدراما , ونتيجة ذلك تم استبعاد عودة الشعر إلى المسرح في المستقبل القريب , الا ان رؤية ابسن وعمله على المسرحية النثرية قد اوجد مشكلة كبرى هي ذاتها العودة إلى الشعر المسرحي . لكن الناظر إلى تاريخ المسرح الأوربي السابق لابسن سيجد ان المسرح أو النص المسرحي كان يحاكي الأدب ولم يتطرق إلى المشاكل الإنسانية المعاصرة وليست لها صلة مباشرة , بموضوع العصر الذي كتبت فيه .
كل شيء كان يتجه نحو الواقع , وفي هذا يقول ( اللورد بايرون ) ( في الشعر استطيع ان أبقى بعيداً عن الواقع ) , وموقف الفن في تلك الفترة كان يتغير من الواقع ـ والفترة هي القرن التاسع عشر وبداياته وكان الحراك التاريخي على مستوى الأدب والفن يسير باتجاه إعادة صوغ ( وقائع ) العالم المحيط إعادة عاصفة , حيث كانت الوقائع كشيء مستقر , وخصوصاً في المسرح , والشعر يجعل ما هو مشوه رائعاً ويغطي الحقائق المشوهة لكن النثر يقدم الواقع كما هو أو كما يجب ان يكون وقد يتعدى ذلك إلى إبراز معالم التشويه لدفع الآخرين لوضع اليد على تلك المناطق المظلمة من حياة الإنسان وواقعه .
قام ( ابسن ) بفتح الباب للتحديث بوجه كتّاب آخرين من أمثال غوركي , وبرنارد شو , ويوجين أونيل , فقد كان انتماء هؤلاء إلى الحقيقة الموضوعية والذاتية التي أدركت من خلالهم وقاموا بإعلانها بشجاعة الا ان ( سترندبيرغ ) الكاتب المسرحي السويدي كان قد تصور المسرحية المحدثة وقد توقع مستقبل المسرحية الحديثة الذي لا يزال غير محدد المعالم فقد كان يسير جنباً إلى جنب مع ابسن في تفعيل طاقاتهم الإبداعية , وقد مرت في حياة (سترندبيرغ) سنوات صعبة ومريرة جعلته راصداً جيداً لمتغيرات العصر ومشاعره , إذ امتازت أعماله بالشمولية والتنوع الكبيرين، فكتب في كل أنواع المسرحيات من التاريخية إلى التراجيديات والكوميديا والمسرحيات الخيالية والشعرية والواقعية , والتعبيرية وهكذا يكون المسرح الحداثة أساساً مهماً في ترميم بنية المسرحية .
ان الحداثة في المسرح كانت ذات تأثير واسع وحاسم في قلب المعادلة رأساً على عقب , فالمسرح الذي استمر شعرياً منذ اسخيلوس إلى ما قبل أبسن , قد تحول تحولاً جذرياً في أسلوب الكتابة والتواصل والتعبير , بواسطة النثر الذي أثار على ابسن النقودات والآراء المعارضة وذلك حتمي طبعاً , من هنا يكون الباب قد فتح على مصراعيه لكل من يدلو بدلوه من المحدثين وفق الوعي والثقافة والعلم ورصانة إدراك الواقع والتاريخ ,
المصادر
( 1 ) مالكوم برادبري , وجيمس مكنولن , الحداثة , ج 2 , ت : مؤيد حسن فوزي ( بغداد : دار المأمون للترجمة والنشر , 1990 )
( 2 ) كنيث مور , الشعر والنثر في المسرح , ت : يحيى صاحب , مجلة الثقافة الأجنبية , العدد ( 1 ) السنة (27 ) , بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة .
( 3 ) غورغي غاتشف , الوعي والفن , ت : د . نوفل نيوف , سلسلة عالم المعرفة , العدد ( 146 ) , ( الكويت , المجلس الوطني 1990 ) .
(4) غورغي غاتشف , الوعي والفن , ت : د . نوفل نيوف , سلسلة عالم المعرفة , العدد ( 146 ) , ( الكويت , المجلس الوطني 1990 ) ص 260 ـ 261 .
(5) ياسين النصير , أسئلة الحداثة في المسرح , ط 1 ( السليمانية : فرقة مسرح سالار , 2008 ) ص 29 . |
|