| kasim matrood |
|
|
| |
| اشترك في: 20 اكتوبر 2007 |
| مشاركات: 1025 |
| المكان: London |
|
|
 |
 |
 |
|
قراءة في المسرح الشعري:
نموذج ("عرس الشام" و"أشباح سيناء" لد. خالد محيي الدين البرادعي)
د. محمد دخيسي
تقديم:
إن الحديث عن الإشكاليات المتشابكة في أصله بحث عن الأصل، والمَعْبَر الحقيقي الذي يوصل إلى تحديد الفارق والاختلاف هو من مستلزمات البحث العلم. وإشكالية المسرح الشعري أو الشعر المسرحي هي المنبه على هذه التشابكات، فكثيراً ما كنا نقف على مثل هذه المصطلحات دون تمحيص وتفكيك؛ إلا أنه استرعاني اختلاف النقاد- والنقاد المسرحيين خاصة- حول تحديد هذا المفهوم، ولعل الأمر قديم قدم المسرح لأنه كما نعلم نشأ في أحضان الشعر كما نشأ الشعر في أحضان التشخيصات الدرامية التي لم ينتبه إليها إلا القليل من النقاد.
إن أهمية المصطلح لا تكمن في تحديده فقط، بل تتعداه إلى تمكين المتتبع من رسم الطريق الذي عليه يمكن أن يَبْنِيَ مفهوماته. و في تعاملنا مع هذا المصطلح لن نتوخى أكثر من وضع اللبنة التي يمكن أن نشتغل من خلالها على النصوص المسرحية الشعرية، سواء أتعلق الأمر بالدراسة أم النقد.
في حديث بعض المهتمين بمجال المسرح لامسنا في كثير من الأحيان اعتمادهم مقولة " قدم المسرح في الوطن العربي"، وهذا أمر آخر، لكن في إطار التحديد نفسه يُعلَن عن الميلاد المسبق للمسرح الشعري ضمن الإطار العام الذي سار فيه الشعر العربي،إذ ما نجد فيه من أدوات تقترب إلى حد ما من الدراما جعل - مثلا- عمر محمد الطالب يعتبر ما " في الشعر العربي قصائد يكمن فيها خط درامي قوي ويمكن تحويلها إلى مشاهد مسرحية كما في العديد من قصائد عمر بن أبي ربيعة والفرزدق…"
والأمر لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى اعتبار ما كتبه أحمد شوقي من مسرحيات شعرية تحويلاً لأشعار سابق. وقد حاول أن يطبق ذلك على جملة من أشعار النقائض مثلا منطلقا من بنية المكان فالزمان إلى تشكيل الحوار عبر شخصيات شاعرية، ليخلص إلى أنه " قد يعترض قائل بأنني حولت قصيدة غنائية إلى مسرحية شعرية فأقسرت جنسا أدبيا على جنس أدبي، فأجيب مطمئنا بأنني لم أفعل أكثر مما فعل شوقي عند تأليف المسرحيات الشعرية". لكن شتَّان بين هذا الفعل "القسري" وتلك المسرحيات التي بقيت خالدة، فالاختلاف في الصيغة أولا وفي الوظيفة ثانيا يضع كل واحدة مي ميزانها.
وغير بعيد من هذا الرأي نجد محمد غنيمي هلال، الذي يقر قدم دور الشعر في المسرح لأن " للشعر في المسرح تاريخ أعرق من تاريخ النثر فيه، فلم يكن يدور بخلد ( أرسطو) أن المسرحية تكتب نثرا، بل إن حصر الشعر- المعتذبة عنده- في المسرحيات والملاحم، ولم يعبأ لذلك بالشعر الغنائي، على أنه جعل قيمة الشعر كلها في مقدرة الشاعر على المحاكاة." علينا إذن ألا نقع في خلط من قبيل قياس الشاهد على الغائب، فالمسرح الشعري باب من أبواب المسرح لا يتخطاه إلا الشاعر الملهم، بإضافة خاصية الإلمام بالأدوات والآليات المسرحية، والشاعر الذي:" يبتدع لغة مسرحية جديدة تتوجه إلى جمهور واسع من خلال ما تنطوي عليه من شاعرية في وظائفية الأكسسوارات التي تستعمل استعمالا شاعريا متعددا، وكذا من خلال تجسيدٍ فني للألعاب الطقوسية الشعبية، وتوحيد العنصر اللفظي مع العنصر الغنائي والحركي عبر شعرية مسرحية فذة."
إن القول حين يصدر عن كاتب متمرس شعرا ونقدا، فإنه لا يسعنا إلا أن نثمنه لا مجاملة، وإنما لكونه أوضح المسير الذي يساعد على البحث والدراسة. فالقول الصحيح هو إن المسرح حين يكتبه شاعر إنما يستجيب لمجموعة الشروط التي تساهم في خلخلة كيان المتلقي وبعثه البعث الثاني الذي يؤرقه وينمي انفعالاته. لذلك :" فتأثرات الشاعر التي ينقلها الممثل إلى الجمهور يجب أن يكون يعكسها هذا الأخير على الممثل، بحيث يتلاقى الثلاثة كأنهم روح واحدة."
قد يتبادر إلى ذهننا، إن نحن أعطينا هذا الأمر بعدا مصطلحيا، أن الأمر يتعلق حينا بالمفهوم "المسرح الشعري" وحينا آخر "الشعر المسرحي"، لكن بحثنا في بنية التشابه والاختلاف بينهما لم يُفض إلا إلى إثبات دور الوظيفة التي يُثبتها كل عنصر على حدة. فالمسرح الشعري هدفه القبلي مسرح ومقصديته مسرح كذلك، فيما يتفاوت دور الشعر المسرحي بين تحقيق أولية الشعر على المسرح، وإضافة الثاني على الأول من غير قصد. فقد يكتب شاعرٌ قصيدة توحي للناقد المسرحي أنها تشتمل على آليات وقوالب مسرحية، فنكون أمام شعٍر ذي خاصيات مسرحي. لذا نلاحظ صعوبة المسرح الشعري لأنه - كما قال د- أحمد شمس الدين الحجاجي- :" يتحرك في منطقتين: دائرة المسرح ودائرة الشعر، ولكي تنجح المسرحية عليها أن تتفوق في هاتين المنطقتين." والتحرك في منطقتين متباينتين لا يأتيها إلا لبيب أو حاذق.
على كل حال، ومن وجهة نظر تبعد الخلفيات والنزاعات حول تحديد المصطلح، نحن لا نراهن على أحقية هذا الفعل (المسرح الشعري) إلا بتضافر جهد النظري والتطبيقي مع سمة الفعل الشاعري داخل المتن الدرامي. ولا نقول مع بول شاول :"بالتباس مفهوم النص المسرحي بالنص الأدبي أو الإنشائي، هذا الالتباس يجعل بعض الكتاب والشعراء والروائيين يكتبون نصا أدبيا جميلاً، فيه بلاغة وفصاحة واستعارة، وتورية وجمل مرصوصة، ويتوهمون أنه نص مسرحي، النص المسرحي مختلف عن النص الأدبي، وإذا كان بعض الشعراء كتبوا نصوصا مسرحية، فلأنهم جذبوا الشعر، كبنية مستقلة، إلى اللغة الدرامية، إنه شعر درامي، إنه شعر مسرحي قابل للأداء وجزء من العملية الدرامية." لأن هذا القول يبعد خواص جمالية في النص المسرحي الشعري على اعتبار البنية العامة للنص، لا اعتمادا على الخاصيات الدلالية التي لا تحقق الجمالية إلا من حيث انتهاؤها إلى إعطاء فكرة عامة أو بالأحرى تمجيد الخطابية الشعرية وتجسيد الفعل التأثيري من خلال المزج بين ما نظم شعري وما هو شعر خالص. إننا بذلك نقصي الخلاف بين القول (الشعر المسرحي) و (المسرح الشعري) ما داما يمشيان في خط جمالي موحد بعيدا عن القصدية والهدف.
محاولة كهذه ستجرنا حتما إلى إبراز العناصر المسرحية في المسرح الشعري بعيدا عما يمكن أن ينعتها بصفة الأدبية الخالصة، ولتمكين المتلقي تقريب المفاهيم من ذهنه، نضع سلطة النص على طاولة الكشف التي توحي أحيانا كثيرة بطغيان عناصر تحليلية مجانبة، أو ما يقصد به التحليل الأدبي للنص المسرحي باعتباره يشكل عرضا أولاً وأخيراً. أما التحليل المسرحي فيعتمد عناصر أقل ما يقال عنها إنها عناصر مسرحية. يقول محمد الكغاط:" إن (الدراماتولوجيا) التي تحدد الفضاء والزمان والإيقاع وأثر كل ذلك على حواس المشاهد ثم على ذكائه، لا تتحقق إلا من خلال علاقة خشبة / قاعة، وهذه الدراماتولوجيا موجودة جزئيا في النصوص، وانطلاقا من هذه يحتفظ التحليل ( الدراماتولوجي) بالاقتراحات الكامنة للإخراج المتوقع ويتناول النص نفسه باعتباره عرضا وإيقاعا."
من هنا ألا يمكنا الحديث عن العرض المسرحي داخل النص المسرحي؟ ما هي أهم سمات الإرشادات المسرحية من خلال النموذج المسرحي؟
أسئلة لا بد أن نجد لها دليلاً في النصوص المسرحية، لكن مع إعطاء الأولوية للتحليل الدراماتولوجي.
إضاءة النص المسرحي: نموذج د- خالد محيي الدين البرادعي
حين نكون أمام نص مسرحي مزدوج، أو لنقل مسرحيتين يتشاكل أمامنا الاختيار بين التحليل المتشابك وبين التحليل الفردي؛ لكن الأمر يمكن أن يكون مختلفا عند د- خالد محيي الدين البرادعي. لماذا؟
الإطلالة الأولى على المؤلَّف تحيلنا بدءأً على التحديد الصرفي: مسرحيتان، رغم الجمع بينهما في عتبة العنوان بواو العطف. ولما نلج الكتاب نجده أيضا يعرف المسرحية الأولى:" عرس الشام: مسرحية شعرية متواصلة المشاهد" ثم النص الثاني بقوله:" مسرحية شعرية" . فالتخصيص الذي لحق النص الأول يجعله متفردا عن الثاني، بالإضافة إلى هذه الجوانب الشكلية للقراءة العابرة لهما توحي أنهما يشكلان نصين لا نصاً واحداً. هذا التحديد لا يلغي بتاتا نواحي التشابه بينهما وهو ما يمكن أن يفرد له مقال جامع لكل أعمال البرادعي.
لقد كتب خالد محيي الدين البرادعي مجموعة من المسرحيات الشعرية بداية من " دمَّرُ عاشقاً" إلى النص رقم 17:" الشجرة التي أورقت سيوفا" ، وكلها تدخل ضمن سياق المسرح الشعري، لذا فيمكن القول إن خالد محيي الدين البرادعي تمرس في كتابة مثل هذه النصوص، لأنه يَعتبر الشعرَ مفتاحَ الكتابة والدليل الذي يعتمده المسرحي لتكوين أفكاره والسيْر بها تجاه المبتغى. يقول:" غاب عن الأذهان أن الشعر منبت في نسيج النثر المسرحي، حتى لدى حاملي لواء معارضة الشعر نفسه، فالذين عالجوا الأساطير استلهاماً، أو أعادوا صياغتها في مناخ الشعر وتكوينه، والذين أسقطوا متاعبهم على المحطات الخرافية، والحكايات الشعبية كانوا يسيرون تحت أهداب الشعر، والذين حولوا الخرافة إلى مسرح كانوا لا يبدؤون السير من مقالع الشعر، والذين حركوا الأحلام وجسَّدوا تأمُّلات الإحساس وزهر العاطفة، كانوا يغوصون في لجة الشعر بحثا عن المسرح وهم لا يشعرون."
فهل يمكن الجزم إن البرادعي كشف أهمية المسرح وجمالياته من خلال الشعر؟
1- إضاءة أولى: عرس الشام ، وضعية الشام بين الخيانة والتشرذم
أول ملاحظة يمكن تسجيلها في هذا المضمار هي كثرة الإرشادات المسرحية التي يستهل بها المؤلف مسرحيته" عرس الشام". فمن تحديد جنس المسرحية( رغم أنه لا يفيد كثيرا في الإخراج المسرحي) حيث عرفها كما سبقت الإشارة بأنها مسرحية غنائية متواصلة المشاهد. ونحن نعلم مدى أهمية الغنائية في الشعر العربي أولا ثم في رديفه المسرح. والغنائية في المسرح تنطلق من الشخصيات التي تحول الأحداث من صفتها الثابتة إلى صيغة أكثر حركية ونشاط. لذا نجد أحمد شمس الدين الحجاجي يقول عن مسرحية " مجنون ليلى " لأحمد شوقي:" الغنائية هنا تلقائية نابعة من طبيعة الشخصية فكلا البطلين شخصية غنائية في الأصل نقلها الشاعر لتعيش نفس الدور الذي عرت به في تراث الشعر الغربي فيصبح كل منهما بطلا غنائيا لمسرحية تحمل اسمه." إلا أننا نجد من يعترض على النص الشعري المسرحي الغنائي لكونه يشل الحركة داخل الرُّكح. يقول محمد الكغاط:" الدراما الغنائية تتميز بغياب الحركة والتنقل، وطغيان نص شعري جيد وعميق وساكن يراد لذاته."
لكن الكغاط يفصل في هذا الصدد بين الدراما الغنائية التي تعني في أغلبها " الأوبرا – كوميك، أي المسرح المغنى، والفعل الدرامي أو الدراما :" التي تبدو مرتبطة بالعرض أكثر مما تبدو مرتبطة بالنص، بل إن أرسطو عندما يصنف المسرح داخل الشعر الدرامي، إنما يفعل ذلك للإشارة إلى أنه شعر يعتمد على الحركة وعلى الفعل."
لن نخوض كثيرا في هذا الموضوع، المهم منه أن خالد محيي الدين البرادعي استطاع أن يمزج بين ما هو شعري وما هو درامي ليخرج لنا مسرحية شعرية صالحة للتمثيل. لماذا الجزم بهذه الصلاحية ؟
لعل ما كان يضيء به جوانب من حواره، أو ما يسمى بالإرشادات المسرحية تجعل متخيلَ المتلقي يعيش فصول المسرحية كأنه أمام العرض نفسِه. فيبقى أمام المخرج بعض الإضاءات الأخرى لتصبح جاهزة للعرض النهائي. وربما – أو الأكيد- أن الدمع بين التأليف والإخراج هو ما أتاح للبرادعي هذه الخاصية، فحين نقرأ في الصفحات الموالية لتحديد جنس النص المسرحي، يتضح لنا ذلك جليا.
التحديـــــــــــــــــــــــد نوعـــــــــــــــــــــــه خصوصيتـــــــــــــــــه
مسرحية شعرية (ص- 5 ) جنس النص تمييز النص من حيث كونه يشغل حيز المسرح استنادا للشعر
من عام 1914 إلى عام 19460 (ص- 7) زمان وقوع أحداث النص تخصيص الحيز الزماني اعتبارا لخصوصية المرحلة ( الاستعمار الفرنسي)
دمشق. ( ص- (7 مكان وقوع المسرحية صبغة مكانية اعتبارا لتشكيل النص لا لعرضه
المشاركون في الأحداث.
( ص- 9–8) شخصيات النص التمييز بين الشخصيات المستمرة عبر أحداث النص، وشخصيات تظهر مرة واحدة لتختفي0
ملاحظات. ( ص- 10) الشيخ لا يغني...
السفاحان شخصية واحدة..
استعانة بوثائق حربية مكبرة على الجدارالخلفي.
تجانس الملابس مع الفترة الزمنية.
دراسة أبطال الثورة..
استعانة بأطفال الشهداء..
الإرشادات المثبتة في هذه الصفحة تعطي مجموعة من الإشارات إلى ما ينبغي أن يضعه المخرج نصب عينه قبيل البدء في إخراج المسرحية.
إن من الخصائص التي أثبتت في هذا الجدول ما يبرز بجدية عن المشروع الثاني للنص المسرحي، إنه مشروع إخراج النص. لذا يمكن التساؤل حينا بقولنا: أين تكمن سمات النص الثاني في هذه الإرشادات أو بالأحرى ما مدى مساهمة مثل هذه التخصيصات في إعطاء الأولوية للتمثيل التخيلي قبل العرض على الرُّكح؟!
من مميزات النص المسرحي " عرس الشام" أنه لا يتبنى موقف المرشد إلى الأحداث التاريخية السالفة، بقدر ما يضع المتلقي أمام مجموعة من التساؤلا ت عبر الشخوص المتحولة في النص. وخالد محيي الدين البرادعي حين يحدد الفترة الزمانية أو المكانية فإنما يتغيى إبراز الواقع السوري ومنه العربي من خلال نموذج مخصص، والقياس في هذا المجال وارد.
-1-1الشخوص والبديل الموضوعي للأزمة:
إذا كانت الشخصيات تحمل أبعادا ثلاثة: البعد المادي، البعد الاجتماعي،والبعد النفسي، فإن خالد محيي الدين البرادعي استطاع أن يوفق في الجمع بين كل تلك العناصر. كيف ذلك؟
من الأمور البديهية التي انطلق منها المؤلِّف كونه كتب تحت ضغط العرض لا النص متفردا لذلك جاءت شخصياته تعبر عن هذا الموقف. فالشيخ تتغير وضعيته من حال الاستقرار والشهادة ( كونه شاهدا لا شهيدا) على المواقف التاريخية أولاً والمسرحية داخل الركح، إلى مشارك في الحور الثنائي مع شخصيات أخرى. وهو في الأخير نفسيا يميل إلى التحرر والتمرد على الأشكال الاستعمارية.
أما السيدة فتعيش الأزمة بكل عناصرها التراجيدية والعادية والمفرحة في آخر المسرحية. إن أجمل ما يلاحظ عليها أنها تظهر لتختفيَ، تظهر ساعة الحزن" تغني بلهجة حزينة" و" تظهر السيدة بثياب سود تغطي كامل جسدها" ثم في لحظة ثالثة :" تظهر بثيابها السود. تمشي بهدوء حزين" وغيرها من المواقف التي تجعلنا نعيش حالة السيدة وهي تترحل ذهابا وإيابا تحمل أوجاع وآلام الجماعات ( مجموعة الشهداء: الأحد عشر، السبعة، الأربعة عشر)، وهذه (الجماعات) تظهر كل مرة لتناجيَ الشيخ في حالتها وتحكيَ آلامَها ليخرج السفاح بكامل توهجاته فيلقي بحباله المشنقة عليهم. والمؤلف في هذا الصدد لا يصرح بأنهم يُشنَقون ولكن يركز على المؤشر المصاحب (الإرشاد) الذي يصيغ الفكرة. يقول مثلا:" يظلم المكان. ومع حلول الظلام يتردد صدى:لا. لا. لا.. تظهر على الخلفية إحدى عشر مشنقة. ينظـر الشيخ بحزن إلى المشهد" وهي الحالة التي تعيش عليها السيدة إلى غاية نهاية المسرحية حين تشهد فرح الانتصار والحرية. " تظهر السيدة بثياب بيض باسمة. تتأمل الصبايا والشباب."
إن المؤلف يطرح في كل مرة الحالة التي يكون عليها الممثل وهي كثيرة تستدعي المجال الأوسع لتعدادها وتحديدها، لذلك فتقديمنا هذه النماذج إنما لإضاءة المبتغى والجواب على السؤال المطروح آنفا.
إذا انتقلنا إلى شخصية محورية وهي السفاح، نلاحظ كيف أنها تغير من ملابسها بغية الحصول على تأشيرة الحلو ل في جسد المستعمر الفرنسي بدل القائد العثماني الذي شغل حيزه في بداية المسرحية. لماذا اكتفى البرادعي بشخصية واحدة، أ لِنقص في الممثلين؟
بالطبع لن تكون هذه هي العلة، لأن المؤلف وبنظرة إخراجية ارتأى أن يوضح للمتلقي استمرارية هذه الشخصية أولا، ومساهمة في البناء الدرامي للمسرحية (العرض) جعل السفاحَ شخصيتين في جلباب واحد، والقصد أنْ لا اختلاف بين هذا وذاك وإن تبدل الحيز الزماني أو المكاني.
كما أن المؤلف حاول أن يحافظ على الشخصيات التي تمثل دور أطفال الشهداء، واقترح أن تكون شخصياتٍ حقيقية كي تلعب الدور الرئيس والإيجابي في النص / العرض، رغم أن مشاركتها لا تتعدى الدور الثانوي في إغناء النص بالحوارات والجماليات0 بالإضافة إلى الاستعانة ببعض الأبطال الحقيقيين الذين صنعوا التاريخ السوري، مثال صالح العلي، إبراهيم اهنانو، سلطان الأطرش، سلطان العظمة..
إن المشاركة الذهنية للمتلقي التي توخاها من إعطاء نعوت لشخصياته وتحديد معالمها ورموزها التاريخية إنما من أجل " استنباتها" داخل المتخيل قبل عرضها على الركح. وهو ما جعله يعطي إشارات متعددة كما سلفت الإشارة من خلا لها يمكننا تلمس الحقيقة، القصد، والمبتغى.
-1 -2 الحوار: الترشيد إلى أفق الانتظار العام للنص المسرحي
نعود ثانية للتعريف الذي خص به يونس الوليدي التحليل الدراماتوجي للنص المسرحي، يقول :" يعتبر الحوار جزءا في العمل الدرامي، حيث يعبر به الكاتب عن فكرته ويكشف بواسطته عن الأحداث الجارية والمقلبة في مسرحيته، وعن الشخصيات ومراحل تطورها. والحوار الجيد هو الذي تدل كل كلمة فيه على معنىً يكشف عن حقيقة معينة." ولتمتيع المتلقي بأشكال مختلفة من الحوارات يلجأ المؤلف المسرحي إلى جملة من التشكيلات. منها البرولوج Prologue والإيبيلوج Epilogue والمونولوج Monologue . وهي حوارات تخرج النص من دائرة الرتابة إلى دور الإشراك في التمثيل، والوظيفة الفعالة التي تنتج مثل هذه الوضعيات هي في أصلها إنتاج ثان للوضعية الثابتة. بمعنى أن الكاتب في صفة الممثل حين يلجأ إلى الحوار الداخلي (المونولوج) فإنه يعبر عن ما يوجد في داخله أمام الجمهور كي يصل إلى ما يدور في ذهنه ويشاركه فيه.
قلما نجد مؤلفا يصوغ مثل هذه التفريعات، فالشيخ حين يعقب غناء الجوقة بحديث إلى الجمهور، ومعبرا عن الخلفية(الصورة) التي توضح بطش العثمانيين، إنما ليحدثنا عن فكرة العرض المسرحي أو خطاب المقدمة والاستهلال(البرولوج) وحين ينهي الحديث في نهاية المسرحية بقوله:
أيها الآتي ولا أعرفه.. هل صحيح.. أنت أَمنٌ.. وضياءْ
تحمل الحب إليهم....
فالبرادعي ينهي الحديث بتساؤلات محورية مركِّزةٍ على الأبعاد العامة للنص ومشاركة المتفرج في استخلاص العبرة والنتائج.
أما الحوار الداخلي Monologue فينزع إلى إعطاء الأفكار الداخلية والتمثلات غير المباشرة التي يود التعبير عنها، لنتأمل هذه الإشارة:" ينظر السفاح حوله بازدراء. يتلمس قبضة مسدسه، يمشي بخطوات عسكرية متزنة ترافقها موسيقى عسكرية، يتكلم دون أن ينظر إلى أحد." نخلص من خلالها إلى النوع من المناجاة التي يتمثلها السفاح في محاولة الانتقام من المتمردين، وهو حوار تعبيري نستعيره من حركات الممثل لا من ألفاظه. ولا ننسى دور الغناء الذي يشكل بمفرده- ونحن نعلم أننا أمام مسرحية غنائية- بؤرة الحوار المباشر مع الجمهور. وما محاولة المؤلف استرجاع دفقات قلب الشهيد وغنائه وسط الرُّكح إلا مؤشر قوي على التزامه إعطاء الملامح العامة للشخصية المتحركة عبر الحوار الداخلي(الميت مع الشهيد إلى حد ما). يقول الشهيد: "(غناء)
سيد العشاقْ
إني ساهر وحدي في عصر العراءْ
المصابيح بقبري انطفأت..."
لقد تجمعت أشكال ثلاثة في إبراز دور الحوار، وهي: الألفاظ (الكلام ) والحركات وحتى الصمت الذي بنبع من الذات المتدمرة المتمردة :" يهدأ القصف..يستمر لهيب الحرائق. يظهر السفاح بملابسه ذليلاً. يتقدم من الشيخ الصامت. يهزه من كتفيه.."
ولتحقيق وظائف الحوار الأخرى استغل خالد محيي الدين البرادعي بعض المؤشرات الأخرى التي تتبنى الموقف المصاحب للنص المسرحي. أهم هذه الإشارات ما يتعلق بالديكور الذي أولا ه المؤلف بعدا ثنائيا ما بين النص الأول: المسرحية، والنص الثاني: العرض.
مهما تماهى عنصر الديكور والمكونات الأخرى في المسرح يبقى هو المشكِّل للفضاء البصري. والمؤلِّف في مسرحية " عرس الشام" يستغل المجال التاريخي باعتبار المسرحية تستنبط المعطى التاريخي لتصوغه في مجرى ثان متألق نابع من سلطة النص والمكان الخاص بالعرض.
من خلال التحديد الأول: "مسرحية غنائية متواصلة المشاهد"، نلمس التجميع الأول للديكور، بحيث إن المَشاهِد بتتابعِها توحي أن المناظر فيها موحدةٌ؛ مع هذا تعامل البرادعي مع جماليات أخرى ذات علاقة بما هو مشهدي سينمائي. وقد استفاد من تاريخية الأحداث ليبرز بعض نواحي الصراعات الاجتماعية، والحروب التي واجه فيها الشعب السوري كلاًّ من السيطرة العثمانية والاستعمار الفرنسي. يقول: "(وخلال حديثه تظهر على الخلفية مشاهد من بطش العثمانيين في الوطن العربي. والتي سبقت مجازر السفاح جمال باشا)" . ويقول في موضع ثانٍ:" ( ..تظهر على الخلفية إحدى عشر مشنقة. ينظر الشيخ بحزن إلى المشهد)" .. وغير هذا الأمر كثير في النص المسرحي "عرس الشام" ، ولمزيد من تأكيد هذا الدور جعل البرادعي من الإضاءة معينا على إبراز أهم المشاهد في غياب تغيير الديكورات التي تعج بها خشبته. وقد استفاد المؤلف من الإنارة لتوليد تعاقب الليل والنهار (ظلام / نور) ، ليغير من حالة الاستمرارية في المشاهد التي أكدها في أول المسرحية.
محاولة كهذه لا يمكنها أن تنبع من ذات ساكنة ، بقدر ما هي رؤية الفنان المبدع الجامع بين التأليف والإخراج. ومجهودات خالد محيي الدين البرادعي استثمرت بشكل جدي لاستكمال النسيج الجمالي الذي لاحظناه في التحكم في تقنيات اللعبة (المرتبطة بالمسرح باعتباره لعبة متجانسة)، لذلك فالظلمة عنده كانت متبوعةً بنور مستغِلاًّ ذلك بالإضاءة، إلا مرة واحدة لم يُظهر النور لكن الحوار بعده عبر عن عودته:
يظلم المكان: ص- 22 يضاء المكان: ص- 22
يظلم المكان: ص- 32 .....( غياب النور)
يظلم المكان تدريجيا: ص- 81 ومع ظهور السيدة تشتد الإضاءة: ص- 82.
بخلاف هذه الإضاءة الجبرية إن صح التعبير عنها، استغل البرادعي الإنارة الملونة في مواقف ثلاثة:
ومع وقع خطواتها يتوهج ضوء أرجواني على الخلفية يقابله ضوء أخضر:
ص- 55 تمويج الإضاءة الخلفية وإضافة اللون الأخضر: ارتباك الحالة العامة في انتظار الأمل الأخضر.
تتوهج أضواء بسرعات خاطفة على الخلفية: ص- 58 تصوير حالة الحرب والهيجان المصاحب لها.
تتوالد ألوان العلم العربي على الخلفية بالإضاءة: ص- 101 شمولية الأحداث والتعبير عنها بالأعلام العربية مستغلا الأضواء.
ما هذه الإشارات إلا تأكيد آخر للفكرة الرائجة في مقالنا ( سلطة العرض في ذهن المؤلف). ولا يمكننا الحديث في هذا المجال عن الموسيقى لأن المسرحية ككل غنائية والغناء مصاحب ضروري للموسيقى، لذا فلا أعتقد أن يفوت الأمر المؤلف، بقدر ما هو إبراز للدور نفسه في إطار المزاوجة بين الشعري والغنائي. أما عن الملابس فقد عبر تصريحا في أول المسرحية كون الشخصيات حاملةً لرسالة تاريخية تصاحب نفسها والملامح الجسدية والنفسية التي تتوزع أدوارها. لذا فمن الواجب أخذ كل الاحتياطات التي تنشئ هذا التمازج والتناسب.
إن الحوار ووظائفه التي بيناها في عجالة تستدعي الوقوف طويلا لا يسمح المجال لها حينا، ويسعفنا القول الموجز الذي تبنيناه في بداية المقال، وهو إبراز بعض جماليات الخلق المسرحي بعيدا عن الاستطرادات الخاصة بالأحداث لأن في مجملها في هذا النص أحداث تاريخية، لكن الجميل فيها الكيفية التي قُدِّمت بها مستغلا فيها خالد محيي الدين البرادعي جماليات المسرح من حوارات متعددة إلى إنارات معبرة، فملابس موحية بتاريخية الأحداث، إلى تعريف بالشخصيات من خلال تحقيق وظيفة الحوار، ولا ننسى غنائية المسرحية أو ارتباطها بالشعر. كل هذه الخصوصيات تبعد القول إن المسرح الشعري تنقصه الحركة أو لا يضيف شيئا على المسرح بتبنيه المواقف الشعرية الموزونة، أو لنقل البحث عن موسيقى الشعر وإهمال ما هو مسرحي. فحين نقرأ تتابعا الأسطر الشعرية في المسرحية" عرس الشام" ( وفعلا هو عرس لما انتهى إليه من فرح شعبي بالاستقلال) نحس بنوع من الترابط اللفظي الذي يشد بعضه بعضا منتجا الفكرة صياغة وتركيبا وموسيقى..
2- إضاءة ثانية: "أشباح سيناء" وتحقق المسرحة
إذا كنا في المسرحية الأولى قد انتهينا إلى كون د- خالد محمد البرادعي استطاع أن يكتب مسرحية شعرية متجانسة الأطراف، محققا جماليات متعددة، فإن مسرحية " أشباح سيناء " سجلت الحضور الفعلي للمؤلف باعتباره حقق القفزة من كتابة النص العادي الشعري إلى مرحلة ثانية شغل فيها هاجس الكتابة المسرحية بعده التام. لأن النص كُتب بدافع تحقيق الإخراج ، وقد اختار من الأحداث ما يناسب الوضعية المتأزمة التي يعيشها الشعب الفلسطيني ومنه جميع الشعوب العربية. وقد تحول الصوت العربي إلى شبح يؤرق بال صاحب التاج ( الشخصية المحورية في النص )، ويتحول من صوت غير مسموع من طرف صاحبته ( الشخصية الثانية المحورية) إلى صورة غير مرئية في المواقف النهائية. لنحكم عليه كونه يشكل الضمير الغائب (وحضوره كغيابه).
1-2- الإرشادات المسرحية الممهدة للعرض
يقول في الاستهلال الخاص بالمسرحية مبينا وضعية الكتابة الأولى للمسرحية:
" كتبت هذه المسرحية أولا: قصيدة حوارية في أعقاب توقيع اتفاقيات كامب ديفيد. ونشرت في مجلة الموقف الأدبي. ثم أعدت النظر فيها. وكتبتها مسرحية في صيغتها النهائية."
وكعادته، يصرح خالد محيي الدين البرادعي عن بعض الإشارات المسرحية. فمن زمان وقوع الأحداث الحقيقة:" يوم من صيف 1976" إلى مكانها:" واحة نخيل في صحراء سيناء" . إلى النموذج النهائي الذي يوصل الذهن بالمتخيّل، وهذا النموذج شكلته الإشارة التي سجلها في بداية النص المسرحي، موحيا بالتكامل بين النص والعرض غلى أساس الاستمرارية.
إن مسرحية " أشباح سناء" لا يمكن أن نتصورها دون أن نعرف الحيز المكاني الذي سجلته في الواقع لكن الكاتب ساعدنا في معرفته ولو جزئيا من خلال قوله:" واحة نخيل في سيناء مزدانة بصورة جميلة ومتفردة." لكنه يضيف إليها بعضا من الإرشادات من أجل مسرحة الموقف، أي وضعه في حالة التمسرح Theatralite لأنه :" لا يوجد في موضوعات غفل ، بل يوجد نتيجة لتدخل ذات مدركة( واعية)، من أجل تكييف مدركاتها عن طريق وضعها في فضاء غير فضائها، أي عن طريق فسح المجال أمام اشتغال فضائي تخييلي، بأن يكف الفضاء عن أن يكون مكانا للأشياء الحقيقية أي مكانا حقيقيا حتى يصير مكانا للأشياء والوقائع التخييلية أي مكانا خياليا." لذلك نقول إنه استطاع أن يشكل النص المسرحي كما أراد له أن يكون في المرة الثانية، لا كما كتبه في الأول حين كان مجرد نص شعري حواري.
نعود للإرشادات المسرحية، حيث نشير إلى مجموعة ملاحظات طرحها في بداية المسرحية:
وضعية الممثلَين المكانية (الحيز المكاني) تحت نخلة وعلى مقعدين متقابلين بينهما نضدوا طيء. يظهر صاحب التاج تقابله السيدة الجميلة.
على النضد طبق واسع فضي مليء بالفواكه..
الوضعية الفيزيولوجية على رأسه تاج ملكي، ويرتدي بزة جنرال. على وسطه مسدسان وخنجر وعلى صدره عدد من الأوسمة.
السيدة ترتدي ثوبا ضيقا ومثيرا وهي في كامل زينتها.
الوضعية النفسية صاحب التاج يبدو بصورة محيرة.
يبدو القلق على صاحب التاج.
يزداد قلقه يتحرك في عصبية أكثر.
السيدة تحسو كأسا من الشراب وتراقبه بدقة وحذر.
تحاول إغراءه. (كل هذه الإشارات في ص- 109.)
ويشير أيضا في نهاية هذا المؤشر كون هذه المشاهد مع ما يطبعها من تسلسل في الأحداث، إنما تتم في صمت،" هذا المشهد يتم بصمت تام" وهذا ما يؤكد تحقيق وظيفة الحوار من خلال الصمت والحركة.
يزداد قلق الشخصية حين لا تعرف المراد منها في الحياة، وشخصية صاحب التاج تحكمت في وضعيتها داخل المسرحية أشباحٌ متنوعة الأوجه والأشباه، مارست ضغطها عليه لتهرعه وتنبش في ذاكرته الميتة، أو لنقل الضمير الحي / الميت في آن. إن مثل هذه الوضعية سببت القلق الدائم والحيرة في نفسية صاحب التاج ومن الأكيد أن مثل هذه الإضاءة التي وضحها المؤلف مفيدة في إعطائنا صورة كاملة عنه.
إن النص الذي افتتح به البرادعي مسرحيته تتبع فيها هذه الحالة المتأزمة التي تعيشها الشخصية المحورية، فهو:" يبدو بصورة محيرة.. " ويبدو القلق على صاحب التاج" و " يزداد قلقه يتحرك بعصبية أكثر"
إن هذه الإشارة الأولى التي جعلها البرادعي خطابا دالا على الحالة التي يشغلها حيز الشخصيتين تنير السبيل نحو معرفة الحوار الموالي الذي تتبعه المؤلف لحظة لحظة، فيه من القول ما يؤكد أهمية الأنواع الحوارية المتعارف عليها.
2-2- العرض المسرحي بين أهمية الحوار وإشكالية الصراع
إن الصراع الذي عاشه " صاحب التاج"، أو لنقل القائد الظالم، صراع سببه ظهور شخصيات أشباح حتمت عليه الانصياع إليها والسير في خطى متوازية والنسيج العام للمسرحية. إن هذا الصراع شكل الخيط الرابط بين النص وتجلياته، وجعلته من الأمور التي أثارتها المسرحية - وهي مسرحية قصيرة من حيث حجم الأحداث، وقلة الشخصيات وضيق الحيز الزماني والمكاني-
حين نكون أمام مسرحية من مثل أشباح سيناء للبرادعي ، نحتار في أي من الأمور التي يمكنها أن تكون الدليل على تبني منهج الدراسة، لكن الحوار الثنائي - مع بعض الاستثناءات- الذي ميزها جعلنا نقف على أمور لم تكن لتستبين لولا الإعادات المتكررة في قراءتها.
يبدأ النص بحوار فيه من التأثير والإغراء ما يجعله يكوِّن فكرة عن الحالة القبلية التي كان يعيشها صاحب التاج بغض النظر عن تمظهراته الخارجية.
" السيدة: (وتغني بما يشبه الرقص)
اشرب الكأسين مولاي
وعاقر خمرتينْ
وانس أعباء الرعايا
وأنا أنسيك لو ترى
حكايا الحكم والناس..."
وقد تواصل الحوار لفترة قصيرة لا تلبث أن تكون مقدمة للمسرحية لتبني موقف السكون الذي يسبق العاصفة0. بعدها نعيش حالة الصراع الحار المنبثق عن الأشباح التي ظهرت لتلخص قصة حياة الشخصية المحورية. ولولا هذه القفزة لكان النص المسرحي في غاية الرتابة، لكن ذكاء البرادعي لم يخنه حين استلهم شخصية خيالية / حقيقية0 خيالية لأنها لا تظهر أمام السيدة أو لنقل لا تراها، وحقيقية على اعتبار الحوار المباشر الذي يعيشه صاحب التاج معها أولاً، ولأن الصوت والأصوات اللاحقة تؤكد معرفتها له.
" الصوت: أراك.. أرى الخنجر الذهبي
يلوب على طفلة وئدت
أو قتيل تعمَّد بالدم بين يديك
صاحب التاج: ( يجأر بصوت مفزع )
لا ... ليس وهما.. وليس بقايا تعبْ
لغة كنت أسمعها في ليالي الصخبْ
يجوِّد إنشاءها خائفٌ
أو شغوف بنثر الخطبْ
فمن جاء يحيي المُواتْ
ويعبث بالنار.. بعد مشيب اللهبْ
إن هذا الصوت المفاجئ حرك من سكون الحوار السابق بين صاحب التاج والسيدة المراوغة، وشكل اللبنة الأساسية المشكلة للصراع الذي هو أساس البناء الجمالي الشعري والدرامي على السواء. وهذا الأمر هم ما انتبه إليه عبد الله راجع في تأكيده أهمية الصراع:" الذي يرتكز أساسا على تعدد المواقف والحالات النفسية والأفكار داخل وحدة تتميز بنمو الجانب الفكري والشعوري داخل النص نموا طبيعيا، وهذه مهمة ينجح في أدائها المسرح، إلا أن النص الشعري الغير المسرحي يمكن أن يؤديها بنجاح متى وفق في المزج بين المتناقضات المتصارعة."
من الواضح أن خالد محيي الدين وفق في خلقه الصراع ، ومن المفارقات القوية التي تثبت كونه استطاع أن يلحم بين النص العادي الأصلي الذي كان حوارا إلى النص الدرامي الجديد، هو الخيط الرفيع المشكل لذلك الترابط. من الصوت الأول الذي يسُمَع فقط، ثم تحوله إلى صورة إنسان مشوه لاحقا، وظهوره بصفة مجتمعة والصوت الجماعي الذي كان هو صوت الشعب المتمرد، أو صوت الذاكرة الجمعية.
وليس غريبا أن تتحول نظرة السيدة لسيدها، فبعد أن كانت لفترات أولى فاتنة ومؤثرة، تتحول إلى امرأة مشاهدة للمشاهد المتتالية أمامها ومنصفة لسيدها بأن تتعامل معه كالمجنون:
"( صاحب التاج يتضايق. يصوب مسدسه نحو وجه المشوه. تحاول السيدة تهدئته. فهي لاترى الشبح بالطبع ولا تسمعه. تتعامل مع صاحب التاج تعامل الطبيب مع مريضه.)" من هنا نلحظ كيف تعامل المؤلف مع شخوصه الثلاث، إضافة إلى أصوات الأشباح التي كانت تتميز بالظهور والاختفاء المفاجئ، أضيف إلى هذا التناوب الحاصل في تحول المواقف المشكلة للصراعات والمواقف الثنائية الحارة.
3-2- المؤشرات المساعدة على خلق جو التحولات
من الواضح أن التعامل الكلي مع هذه التجربة الدرامية لم يشغلنا عن تحريك لولبة التحدي المفاجئ، فلو لم ننتبه غلى مثل هذه الصراعات الثنائية والجماعية لما تمكنا من تخطي هذه المرحلة. لذلك نقول إن التحدي حين يطرح نفسه بإلحاح لإخراج ( تخريج نظري أو تخريج/ إخراج مسرحي) كل مكونات النص المسرحي، أو البارز منها على الأقل.
إن نص "أشباح سيناء" لم يسلم هو كذلك من التشكيلات (السينيمائية) التي استغلها البرادعي لخلق جو المتعة الدرامية وتحقيق الفرجة على حساب السكونية والثبات التي اتهم به المسرح الشعري. وإن هذه التنويعات استفاد منها كثيرا للتعبير عن الصراعات الداخلية ( داخل الشخصيات) والخارجية ( المحيطة به). منها مثلا ما أورده:" (صاحب التاج يرى بمفرده صورة معركة حقيقية يتابعها باهتمام معزولا عن السيدة التي بدأت تتعامل معه كما لو كان مصابا بلوثة. أو جنون طارئ هي خائفة وعاشقة في آن)"
لكن البرادعي لم يستغل باقي المؤثرات المسرحية المساعدة باستثناء بعض الأصوات التي كانت تأتي من أعلى ومن بين أذنيه.
" الصوت: ( مقتربا من أذني صاحب التاج أكثر) .
كما أنه اعتمد بعض المؤثرات (القليلة) في التعبير عن علو كعب المشوه وقدرته على خلخلة الحالة النفسية لصاحب التاج.
" المشوه: ( مع حديثه تتلاشى الأشباح من عني صاحب التاج)
أما قلت.. إن الشهيد الذي ماتْ
أفلِتَ من راحتيكْ
...
(صاحب التاج: يدور.. تفعل الخمر في خلخلة وعيه. ويرى عددا
من مشوهي الحرب. فيهم نساء وأطفال غارقون في الدم. يرى
امرأة مصلوبة على جذع نخلة يصرخ بضيق)"
إذ كان استغراقنا في هذه العجالة لخص بعضا من مقومات المسرح الشعري بعيدا عن التحليلات اللغوية والإيقاعية التي تشكل نقطة أخرى في التحليل الأدبي، إذا كان الأمر كذلك نقول إن المسرحية الشعرية تحمل من الدلالات ما يجعلها تؤخذ من لدن الدارس الدراماتولوجي تارة، ومن قبل الناقد الشعري تارة أخرى باعتبارها أولا وقبل كل شيء نصا أدبيا. لذلك ربما نكون قد أغفلنا بعضا من الجوانب في التحليل لكن اعتمادنا منهجا مرتبطا بتحقيق الجماليات الدرامية في النصين ظهر جليا في النص الأول، وهو المؤشر الدال على قولنا.
لا يعني قولنا أن نص "أشباح سيناء" لم يوفق في تحقيق التمسرح، بل إن مقوماته وأحداثه الواقعية أعطته نكهة ثانية مستنبطة من التدمر الاجتماعي مصاغة في قالب شبحي للتعبير عن عذابات الضمير وصراخات الشعب غير المسموعة ولا المرئية...
خاتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة:
هل يمكن أن ندرج مسرح خالد محيي الدين البرادعي ضمن الفئة الثالثة (النضج في مجال المسرح الشعري ) التي يتزعمها صلاح عبد الصبور ؟
إذا كان من أسباب التفوق عند صلاح عبد الصبور يعود إلى استوائه شعرا قبل كونه مسرحيا، فإننا نلمس في مسرحيتي خالد محيي الدين البرادعي بعضا من مقومات الشعر العربي المعاصر إلى جانب الجماليات الدرامية. إذ إن مؤشرات اللعب المسرحي أو الإرشادات أصبح مفعولها أكثر مما كانت عليه في السابق، حين اعتبرت مجرد نص ثانوي، يقول د- أحمد شمس الدين الحجاجي :" فإذا كان المؤلفون القدماء لم يولوا الإرشادات المسرحية إلا عناية قليلة فإن بعض الكتاب المعاصرين من الغرب والعالم العربي خصصوا لها حيزا كبيرا في نصوصهم."
كما أن صناعة الفرجة عنده لم تتوقف عند النص المسرحي المجرد بل لازمته أشرطة مصورة لبعض الوقائع والأحداث، ثم إن امتلاكه لبعض المؤهلات الخاصة بالإخراج جعلته يحقق توازٍ فني يخدم التصورات والأحداث والتفاعلات التي تخلقها الشخصيات المتفاعلة مع الحوار، مركبة السرد الدرامي المتواصل المشاهد كما اصطلح عليها البرادعي سالفا.
لذلك لم يكن أمامه الحيز الذي يحقق فيه التقسيمات الممكنة لتفتيت عناصر النص. فالتصور العام للنص المسرحي لم يقف عند الكتابة الأولى بل تعداه إلى الكتابة الإخراجية التي تفضي إلى الجمالية المرتبطة بالفعل الدرامي.
لائــــــــــــــــــــــــــــــحة المراجع
الكتب:
أحمد شمس الدين الحجاجي: المسرحية الشعرية في الأدب العربي الحديث، كتاب الهلال،
العدد 583،أكتوبر 1995.
حسن المنيعي: المسرح المغربي ( من التأسيس إلى صناعة الفرجة) ، دار الأمان للنشر والتوزيع، الرباط،
ط- 2، يناير 2002.
خالد محيي الدين البرادعي: عرس الشام وأشباح سيناء، مسرحيتان شعريتان،منشورات اتحاد كتاب العرب، دمشق 2001.
عبد الله راجع: القصيدة المغربية المعاصرة، بنية الشهادة والاستشهاد، منشورات عيون، الدار البيضاء، ج- 1، ط- 1، 1987.
عمر محمد الطالب: ملامح المسرحية العربية الإسلامية،منشورات دار الآفاق الجديدة،المغرب، ط- 1، 1987.
محمد غنيمي هلال:في النقد المسرحي، دار الثقافة، دار العودة، 1975.
محمد الكغاط: المسرح وفضاءاته، البوكيلي للطباعة والنشر، القنيطرة، ط- 1، 1996.
المجلات:
آفاق: ع- 3، 1989،عز الدين بونيت، المسرح المغربي والمسألة التراثية،ص- 25.
الطريق:ع- 1، فبراير 1986،بول شاول، المهرجانات المسرحية وإشكاليات المسرح العربي،ص- 126.
المدرس: س- 2، 1998، يونس الوليدي، التحليل الدراماتوجي للنص المسرحي، شهرزاد لتوفيق الحكيم نموذجا، ص- 78- 67.
الوحدة: س- 2، ع- 11،غشت، 1985، المؤسسات والمؤسسية في الوطن العربي،" عن المسرح الشعري"، خالد محيي الدين البرادعي، ص- 132. |
|