حوارات المنفيين

تهامة الجندي

بيان الكتب: في منفاه الطويل كتب برتولد بريخت أهم أعماله ومن ضمنها كتابه «حوارات المنفيين» الذي أنجزه عام 1941 في فنلندا ونشر بعد وفاته ،

وقد صدرت النسخة العربية من هذا الكتاب مؤخرا عن دار كنعان بدمشق، ومن ترجمة يحيى علوان، وتكمن أهمية هذا المنجز الإبداعي في مقاربته الرائدة لما بات يعرف الآن بالنصوص المختلطة أو المفتوحة، وحول أهميته كتب فريديريك أوين في مؤلفه عن حياة بريخت: «نادرة هي الكتب التي تجلى فيها ذكاء بريخت وحيوية ذهنه بشكل أكثر إشعاعا وإمتاعا مما تجليا في كتابه حوارات المنفيين، إن هذا الكتاب يكشف لنا أصالة بريخت اكثر من أي كتاب آخر، إنه يسحرنا بسبب اللذة التي يستشعرها إزاء التأمل التجريبي» ص11 والكتاب الذي بين أيدينا ليس نصا مسرحيا أو قصيدة أو مقالة مما تعود قارئ بريخت أن يراه فيه، بل هو نص نثري ساخر، مفتوح على التخييل، تنجدل في تضاعيفه فنون الكتابة المختلفة من الخاطرة إلى الشعر فالحواريات، حاول فيه الكاتب أن يرسم مرارات المنفى والمدن الغريبة، التي قضى فيها بريخت معظم حياته كاتبا مناضلا ومناهضا للنازية، بعد أن غادر وطنه ألمانيا عام 1933 إثر منع مسرحيته التي تسخر من النازية «رؤوس مستديرة ورؤوس مدببة» وقبيل الحملة الدموية التي شنها النظام ضد الشيوعيين.

تبدأ فصول الكتاب بمقدمة مطولة للمترجم عن حياة بريخت في المنفى وأعماله ودواعي ترجمته لحوارات المنفيين، ثم تتوالى الفصول ممسكة بطيف واسع وغني من الموضوعات المتنوعة ذات الصلة بالسياسة والاقتصاد والفلسفة والثقافة وتجربة المنفيين، يعالجها الكاتب بروح تهكمية لكنها منحازة تماما لقيم الحق والعدالة والمساواة بين البشر، تعمل على تسفيه الفاشية والنازية وفضحهما والدفاع عن المبادئ الإنسانية في قالب فني مبتكر وبعيد عن الإدعاء والشعاراتية المباشرة. من أجل بسط هذه البنية المتداخلة والمركبة من فنون الكتابة والموضوعات، استلهم بريخت في كتابه هذا كحاضنة خارجية خبرات المسرح وتقنياته الحوارية، فقد قسم كتابه إلى عناوين منفصلة مثل عنوان «حول الجوازات وتكافؤ البيرة والسيكار وحب النظام» أو عنوان «المصير المحزن للأفكار الكبيرة» و تحت كل عنوان منها أدرج حوارية، تبدأ بفاتحة تمهيدية توصيفية مقتضبة، مثل الفاتحة الأولى التي جاء فيها: «التهمت لعنة الحرب نصف أوروبا، عندما التقى في مطعم هلسنكفورس رجلان كانا يتطلعان حولهما بحذر، ويتحدثان بشئون السياسة، كان الأول طويلا وبدينا وله يدان ناصعتا البياض، أما الآخر فكان نحيفا وله يدا عامل تعدين، رفع البدين كأس البيرة ونظر إليه متفحصا» ومنذ هذه الفاتحة يسوق لنا بريخت شخصيتيه المبتكرتين و هما الألمانيان اللاجئان في فنلندا كالا وتسيفل، اللذان يلتقيان ويتعارفان في محطة قطار بهلسنكي ويبدأ حوارهما المفتوح على التخييل وشتى المواضيع التي تغطي عناوين الكتاب. تبدو اللغة المستخدمة عادية ومفهومة في الحوارات المتنوعة بين هاتين الشخصيتين، لكن براعة بريخت تكمن في استخدامه تعابير لغوية خاصة به، وفي إقامته لعلاقات متنوعة ومغايرة بين المفردات، بحيث تتسع دائرتها الإشارية لتطاول آفاقا أشمل كأن نقرأ مثلا: «الإنسان يمكن أن يصنع في أي مكان وبكل رعونة وبدون سبب معقول، غير أن جواز السفر ليس كذلك أبدا، لذلك يعترف به عندما يكون جيدا، في حين لا يعترف بالإنسان مهما كان جيدا » ص17 أو كأن يكتب كالا في إحدى قصائده المعنونة «نداء الصابرين وأصحاب الفضيلة»، «وجاءت الوضاعة قدمت نفسها فتانة كبيرة جائعة وقبل أن تتوارى، انحنت عدة مرات للأنذال الذين أعطوها مناصب عالية». ص 81 بهذا التدفق الحيوي للغة، وبهذا اللعب الفني الجميل على المفردات والمعاني والصياغات، وبهذه الروح التجريبية الساخرة والمتمردة على الخراب والتخريب، قادنا بريخت عبر حوارات كتابه في رحلة ممتعة من الأسئلة والهواجس والتأملات والرفض العميق لكل ما من شأنه أن يجرح الإنسانية، لينتهي بنا المطاف بعنوان تسيفل يصرح بكرهه لكل الفضائل وأصحابها « وبالتوطئة» جاء الخريف بالمطر بالبرد، وكانت فرنسا الجميلة قد انهارت وانحشرت الشعوب تحت الأرض، جلس تسيفل في مطعم المحطة بهلسنكي يأكل قطعة خبز، حصل عليها ببطاقة الخبز الموجودة لديه كلاجئ ثم يتساءل تسيفل: «كالا يا كالا ماذا يمكننا ان نفعل نحن الفقراء، ففي كل مكان يريدون أناسا خارقين، أين نذهب نحن إذن؟ «العصر الكبير» لم يقتصر على شعب واحد أو شعبين، إنما يزحف على كل الشعوب بلا توقف». ص 151 لقد مر على كتابة هذه النهاية المأساوية أكثر من ستين سنة، ومازالت حاضرة بقوة الفن والقدرة على استشراف البعيد، وإذا كانت رحى الحرب قد داست أوروبا وشعوبها في اربعينيات القرن الماضي، فإنها اليوم على قاب قوسين أو أدنى من الأرض التي نقف عليها.