مشكلة اسمها المونودراما!

المسرح العراقي يحتفي بالمسرح الفقير

 

عبد الخالق كيطان


قد يتشعب بنا الحديث ونحن نستعير مصطلح كرودفسكي الشهير: «المسرح الفقير» في محاولتنا هذه رصد واحدة من أبرز ظواهر المسرح في العراق اليوم، وهي ظاهرة المونودراما، او مسرحية الممثل الواحد. فالمسرح الفقير الذي نقصده هو المسرح الذي لا يعتمد على تكاليف الانتاج المعروفة، ولا تقنيات العرض المتقدمة، انه مسرح يقتصد في كل شيء، وعلى وجه الخصوص في انتاجه وتقنياته.
لقد كانت سنوات التسعينيات العجاف من القرن الماضي بالنسبة للمسرح العراقي تمثل سبباً منطقياً لكي يبحث المسرحيون الوسائل الناجعة لتقديم عرض «رخيص» في كلفته الانتاجية، و«بسيط» في اشكاله التقنية، ولكنه يحاول ان «يبوح» ويجتهد.. ومع سيادة المسرحية الاستهلاكية على مسارح العاصمة فقد انضم العشرات من الفنيين والتقنيين والممثلين والمخرجين لهذا التيار مادام قادراً على أن يوفر لهم لقمة العيش في ظرف اقتصادي صعب عموماً، ويضمن لهم من جانب آخر الاستمرار في العمل المسرحي، حتى لو كان هذا العمل لا يمثل طموحاتهم الفنية والفكرية.
وكانت المشكلة قد ألقت بضلالها على «الجادين» من اهل المسرح العراقي، اولئك الذين لم يستسيغوا فكرة «التنازل» عن قيمهم ومثلهم ورؤاهم لينخرطوا في تيار المسرحية الاستهلاكية فكان عليهم البحث عن البديل، والبديل هنا لم يكن مثل بديل الثمانينيات والسبعينيات، حيث كانت الدولة تدعم «فعلياً» المسرح مما أدى الى ظهور نماذج بارزة فيه، البديل اليوم يجب ان يكون فردياً، وبالتالي لابد ان يكون «فقيراً»!.
منذ مطلع التسعينيات بدأت المسرحية المونودرامية تتقدم بقوة في مهرجانات المسرح العراقية، حتى وصل الأمر بدائرة السينما والمسرح، أكبر جهة للانتاج المسرحي في العراق، أن شرعت بعقد مهرجان سنوي لمسرحيات المونودراما، قد يكون المهرجان الاول من نوعه في العالم!، حيث وجدت هذه الدائرة، ان مهرجاناً من هذا النوع هو الكفيل بتشغيل العشرات من المسرحيين «الجادين»، كما انه مثل لهؤلاء فرصة البديل المناسب لتقديم رؤاهم وأفكارهم الفنية والتعبيرية والفكرية.
ومع تزايد الاهتمام، الرسمي والشخصي، بالمونودراما بدأ الحديث عن «مشاكل» المونودراما، وهي مشاكل في أغلبها فنية تتمثل بقدرة هذه العروض على اقامة نسق تواصلي مع المتلقي الذي يبحث عن متعة بصرية وحركية لا توفرها الكثير جدا من عروض المونودراما... ولقد حاول غير باحث اكاديمي ان يدلو بدلوه، فتقدم الفنان حسين علي هارف بمشروع رسالته للدكتوراه عن المسرحية المونودرامية، فيما كانت ثمة بحوث مهمة في هذا الاتجاه كتبها نقاد وفنانون متخصصون.
ان المسرحية المونودرامية تختصر، ما يسمى بالعقول العديدة في انتاج المسرحية، الى عقل واحد او عقلين، حيث دأب المسرحيون العراقيون على تقديم مسرحيات مونودرامية يكتبها ويخرجها ويمثل دورها الوحيد ويضع مؤثراتها الصوتية والضوئية ويصمم ديكورها وازياءها شخص واحد!، وقد تكررت هذه الظاهرة في العشرات من العروض المونودرامية دون ان يكون ـ من يقدم هذا النموذج وبهذه الطريقة ـ سوبرماناً خارقاً، مما ادى الى مفعول عكسي لتلك العروض، كان ابرز ملامحه الملل الذي يتسرب الى المشاهدين، وهم يرون الممثل الوحيد على الخشبة يفعل كل شيء، إلا ان يكون مدهشاً! ومن جانب آخر ساهمت البنيات الثابتة والمتكررة، التي يلجأ اليها المونودراميون في عروضهم، في تأكيد مشاكل هذا النموذج.. فالمسرحية المونودرامية قائمة على حكاية «حدوتة» تجري احداثها في زمن ماضٍ يتم سرده، سرداً متواصلاً، على الخشبة من خلال ممثل واحد يستعين في ذلك بمشاهد «الرجوع ـ فلاش باك»، ولابد لهذا الممثل من ان يتحدث في جهاز الهاتف، كما ان صوت رنين جرس باب المنزل بات من البديهيات في هذا العرض، والممثل بدوره يمثل ـ حتما ـ مشهد المخمور في ثنايا العرض، ويبدو عالم العزلة والاغتراب هو العالم الفعلي للشخصيات المونودرامية! وبامكان المتابع استخراج ثيم متكررة ـ مثل السابقة ـ من العروض المونودرامية، ليصبح، مع تعداد هذه الثيم، امر تقديم مسرحية مونودرامية امراً سهلاً للغاية! واللافت في الموضوع، ان عدوى المسرحية المونودرامية انتقلت من خشبات المسارح التراثية، الصغيرة دائماً الى المجاميع المسرحية العراقية العاملة خارج العراق!، فقد شهدت ايام المسرح العراقي في برلين التي عقدت للفترة من 14 الى 17 يونيو الماضي، تقديم نماذج عديدة من المسرحيات المونودرامية التي وقعت بمجملها، استنادا الى تقارير صحفية ونقدية من داخل اروقة المهرجان، وقعت في نفس علل المسرحية المونودرامية ـ داخل العراق!، حيث يقول الكاتب ماجد الخطيب: «الميل نحو اعمال الشخصية الواحدة اذا ما تحول الى قاعدة للعمل، يقسر الفنان على صرف النظر عن معظم الاعمال المسرحية الاخرى، كما ان تحول الفنان الى مخرج وممثل لاعماله، اضافة الى قيامه بمهمات الديكور والاضاءة والاكسسوار وغيرها، وهو ما شاهدناه في برلين، يشتت تركيز الفنان، وان اثقال الفنان بتمثيل الدور والنهوض بأعباء الرواية وتغيير الديكور وانتقاله بين هذا وذاك تتطلب منه مهارات فنية كبيرة وقدرات صوتية ومطواعية جسدية قد لا يمتلكها وتضعف بالتالي من العرض.
ويثبت هذا التماثل، بين عمل المجاميع المسرحية العراقية داخل وخارج العراق، وجود واستحكام «الازمة» ذاتها، وهي ازمة تطيح بأخيلة ورؤى المسرحيين مادامت نماذجهم تركن الى تقديم مسرحيات سهلة ومتداولة ورخيصة انتاجيا وفنيا ايضا.
اننا نفهم الدوافع الحقيقية لاصرار المسرحيين العراقيين في هذه الظروف على تقديم المسرحيات المونودرامية، وهي دوافع نبيلة بمجملها، على ان ذلك لا يعفيهم مطلقاً من مسئولية البحث عن وسائل تتيح لهم تقديم مسرحيات غنية بالجمال، وقادرة على اثارة انتباه المتلقي واشراكه في متعة اللعبة المسرحية.
مشهد من مسرحية مونودرامية عراقية

 

هل تريد موقعي هو الافتراضي      .أضف موقعي إلى مفضلتك