السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  14- 6- 2004

عاد بعضهم بعد زوال الفاشية وما زال الكثيرون في انتظار شئ ما
المسرحيون خارج العراق: منفى الهوية ورجوعها

كاظم النصار:
ظلت المواسم المسرحية والمهرجانات المحلية بعد آخر مهرجان للمسرح العربي والذي اقيم عام 1994 تفقد بريقها وتتراجع تحت ظلال الحصار وتداعيات الحرب والهجرة التي ظلت على مدى سنوات التسعينيات تتلاحق وتستمر وتلتحق سماوات وبلدان اخرى لذلك تقلصت المشاركات النوعية لمختلف الاجيال في المهرجانات والملتقيات التي تقام في العاصمة مما يعني غياب واضح للحيوية التي يغنيها الحضور المكثف لهذه الاجيال التي وجدت نفسها مضطرة للنأي بسيرتها ومنجزها بل بسلامتها الشخصية خارج حدود البلد المضطرب على أمل ان تجد لنفسها فضاءا ومتنفسا للحرية التي غابت عن هواء وشمس وارض العراق وظل مهرجان منتدى المسرح السنوي وعلى مدى سنوات التسعينيات رافدا يعالج النقص النوعي في المشهد المسرحي العراقي بوجوه جديدة في مجالات التأليف والاخراج والتمثيل والتقنيات.. وجوه حاولت ان تجد لها حيزا يسد النقص الذي خلفه الغياب القسري للاجيال المختلفة.. مثلما توقف مهرجان بغداد للمسرح العربي دأب المسرحيون للبحث عن ملتقى مسرحي لعرض نتاجهم ونتيجة لذلك صار استيعاب العروض يتم اما بأقامة موسم مسرحي او بمهرجان محلي فدأبت دائرة السينما والمسرح على اقامة ثلاثة مهرجانات محلية سميت بمهرجان المسرح العراقي للاعوام ”96“ و”97“ و”2001“ ولكن هذه المهرجانات ظلت تعاني الغياب الواضح لاسماء مؤشرة في الداخل والغياب القسري لمسرحيي المهجر.
وظلت أنظار المسرحيين تتجه للمشاركات الخارجية وخاصة مهرجان قرطاج الذي كان يقام كل عامين وبمشاركة عالمية نوعية الا ان المشاركة العراقية في هذا المهرجان المهم ظلت تحكمها عوامل غير موضوعية ولا علاقة لها بنوعية العرض واهميته رغم حصول بعض هذه العروض على جوائز وتجسدت هذه المشاركات غير المحسوبة على المستوى الفني والجمالي ببروز ظاهرة التنسيق والمتابعة بين افراد من العمل المراد مشاركته مع الجهة المشرفة على المهرجانات او اذا تدخلت دائرة السينما والمسرح فانها ستحتكم الى جاهزيات ووصفات تعرفها عند المشاركة على صعيد النص والمضمون واتجاه العمل. ولذلك فالتمثيل الخارجي ظل محكوما بهذه العلاقة المتوترة والتي اثمرت عن سيادة مطلقة لنصوص بعينها وهي ظاهرة استدعت مناقشات مستفيضة بين عدد واسع من المهتمين بالمسرح وعدوّها تراجعا للجهد الجمالي والفني وتعدد الاساليب التي كانت تتمتع بها عروض نوعية لم تأخذ فرصتها في المشاركة الخارجية.
ان ظاهرة تضخم المضامين وحمى النصوص الشعرية الخطابية وسيادة الارسال السمعي التي تجعل من الجمهور مستمعا لأغنية أو خطبة، هذه الظاهرة في النص المسرحي العراقي قد سهل الطريق على من يريد اقتناص فرصة المشاركة العربية التي كانت حلما للمسرحيين المتطلعين لمشاهدة ما يجري في العالم من عروض عالمية وبأساليب مختلفة....
وما زلنا مثلا لا نمتلك تبريرا منطقيا مقبولا وواضحا لعدم مشاركة اعمال المخرج البارز د. صلاح القصب والذي كان يحضر هذه المهرجانات بصفة شخصية مما فوّت الفرصة على المتلقي في العالم لمشاهدة ما تمخض عنه المختبر التحديثي للمسرح العراقي الراهن الذي يضعه د. صلاح واسماء اخرى.
ويخطئ من يظن ان فترة التسعينيات في المسرح العراقي من حيث تكويناتها وعروضها هي ليست مضطربة وينطلق من الاعتداء غير الموضوعي بالعروض والاسماء فهي فترة كان فيها الحفاظ على اعمدة المسرح معركة شرسة تزيدها شراسة العمل النوعي ذا الطابع الجمالي والدهشة البصرية والمضمون المتقدم شراسة في كيفية ترويجه وعرضه.
لقد غابت التعددية في المسرح لصالح العروض الشمولية ولم يقتصر قمع العروض النوعية على المؤسسات فقط وانما تعداها الى محاولة المحافظين وهم يلوّحون بعصا غليظة لكل من يحاول الانقلاب عن المهيمنات الذوقية التي تربى عليها هؤلاء المحافظون نعم لقد حضرت على مدى عقد التسعينيات عروضا نوعية وهي كثيرة لكن بالمقابل غابت وجوه واجيال متعددة وغابت التعددية وتدهورت الاساليب وتراجعت التقاليد المسرحية.
وتحت ضغط المعيشة وغياب الموقف الثقافي الواضح ازدهر المسرح الاستهلاكي وازدهرت معه الدراما التلفزيونية الساذجة واهتزت العلاقة بين الجمهور والمسرح الحقيقي وارتبكت.
ووسط هذا وذاك هناك دائما أمل.. الأمل أن نغادر الاعتداء المبالغ به بالنفس ونبحث في كيفية بناء المسرح مسرح المستقبل بتكويناته وعروضه.. وهناك أمل في مواسم ومهرجانات مسرحية قادمة.
وهناك أمل في عودة المهاجرين الى بلادهم واخيرا تخيلوا معي فقط موسما مسرحيا يشترك فيه كل مهاجري المسرح العراقي.. تخيلوا عروضا لمختلف الاجيال عندما تعود من المهجر لمخرجين ”بدري حسون فريد، قاسم محمد، صلاح القصب، و جواد الاسدي، عوني كرومي، د. فاضل السوداني، مقداد مسلم، عزيز خيون، عباس الحربي، و د. قاسم البياتي، ناجي عبدالامير، كريم رشيد ، وباسم عبدالقهار، قاسم زيدان، كاظم صالح وهذا يعني اننا نستطيع ان ننتج ونشاهد اربعة عشر عرضا مختلفا في رؤاه وفي اساليبه وفي نصوصه التي يكتبها ”شاكر السماوي وصلاح حسن وقاسم مطرود وعصام محمد “ وممثلون من اجيال مختلفة مثل ”محمد سيف “ محمود ابو العباس، حكيم جاسم، مناضل داود، طارق هاشم، احمد شرجي، ومن الممثلات اللواتي نحتفظ لهن بعلامات في ذاكرتنا مثل ”أنعام البطاط “ صاحبة بصمة ”ترنيمة الكرسي الهزاز “ وهناك عواطف ابراهيم والتفات عزيز، وايمان ذياب.. كما لا يجب ان ننسى الجهد النقدي المتميز الذي بذله نقاد ماهرون مثل ”ياسين النصير وعواد علي وعبدالخالق كيطان. تأملوا معي هذه الاسماء التي تنتظر فرصة عودتها لبلادها والمشاركة في نهضة المسرح من جديد واغناء مواسمه وفعالياته المتنوعة استطيع تخيل موسم مسرحي جذاب تعاد فيه بعض العروض التي شكلت علامات مميزة في المشهد المسرحي العراقي مثل ”ترنيمة الكرسي الهزاز“ عوني كرومي و ”النهضة“ عباس الحربي و ”دزدمونة “ ناجي عبدالامير و ”المجنزرة ماكبث “ جواد الاسدي وغيرها.. اذ ربما من خلالها نستطيع اعادة ما انفرط من علاقة بين المسرح والجمهور وبين المسرحيين في الغربة وبلادهم