السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  17- 5- 2004

فريدريك ديرنمات والمواجهة مع عالم ليس هو الأفضل

بقلم : عدنان المبارك



كان مسرح فردريك ديرنمات ( 1921 – 1990 ) من تجاربي الاولى ، كمشاهد ، مع المسرح الأوربي. وكان( تياتر درامتيتشني – المسرح الدرامي ) الوارشوي قد تخصص منذ النصف الثاني من الخمسنيات بتقديم مسرحيات هذا الكاتب السويسري. وخلال أكثر من عقدين شاهدت هناك أكثرية مسرحيات ديرنمات الذي كان يقدّر عاليا العروض البولندية المبتكرة لأعماله بل كان يعتبر بولندا ( وطنه المسرحي ) ولأن ( جمهورها رأى في المسرح فنّا للحرية ). وكانت تلك العقود صعبة على الناس ، ولكن ليس على المسرح ، فالشمولية البولندية كانت الأكثرمرونة من بين ( شقيقاتها ) فيما يخص الحريتين الثقافية والإجتماعية( كان هناك ذلك القول الساخر والشائع حينها : بولندا هي الثكنة الأكثر مرحا في هذا المعسكر الإشتراكي ! ). كانت زيارة ديرنمات الأخيرة لوارشو في حزيران عام 1990 من الأحداث البارزة ثقافيا وسياسيا. فديرنمات كان طوال الثمانينات متعاطفا مع حركة ( تضامن ). وكانت تلك الزيارة توكيدا على موقفه المؤيد للتحولات البولندية. وفي الحقيقة كانت مسرحيات ديرنمات تعامل منذ ( ذوبان الجليد ) في النصف الثاني من الخمسينات ، من خلال المنظار السياسي ولدرجة أكبر مما كانت الحال في ألمانيا وسويسرا والغرب عامة. وفي لقاء له مع طلبة جامعة وارشو آنذاك قال بصريح العبارة : تبقى بولندا البلد الذي بادر بالتطورات الجديدة في شرق أوربا. ويأتي تطورها السياسي برهانا على الأفكار التي طرحتها في أعمالي..
وعن هذه الأفكار قال ديرنمات: أنا أحترم المسرح الذي هو تحدّ للواقع والمعاصرة ، وحين لايفقد بعده السياسي. أكيد أنه ينبغي التفرقة بين حالتين : حين نفكر بالفرد وحين نفكر بالمجموع. الفرد قادر على تحقيق السعادة والحب والعثور على معنى لحياته وعمله لكن كل هذا مشروط بالظروف التي يولد فيها الناس. إن أكبر جريمة للحرب قضاؤها على معنى الحياة البشرية ، غير أن السلام هو خطر أيضا حين يعيش الناس في جو التهديدات والأخطار - تلوّث البيئة ، الجوع ، الهوّة المريعة بين الفاقة والثراء. إن كل هذا يهدد بالفناء الذاتي. وأنا حين أتكلم عن هذه القضايا ليس لأنني متشائم بل لأن الوقائع تبدو بهذه الصورة. إذن أنا مثل الطبيب القائل إن العالم مريض. ومهمتي الحقيقية هي التحذير لكي يعرف الإنسان أين هي الحدود الإنسانية. وعلى الأدب أن يكون وسيطة تحذير وليس تخدير. إلا أن هذا لايعني بأن المرء لايستسلم لسلطان النوم حين يقرأ أحد كتبي !.
هكذا كان ديرنمات الذي سمّي أيضا ب( فولتير القرن العشرين )..

ديرنمات شاهدا يقظا لعصره

كان ديرنمات قد نشر في عام 1975 مقالة واسعة دافع فيها عن إسرائيل إلا أنه تراجع كثيرا عن موقفه في عام 1982 حين حصل الغزو الإسرائيلي للبنان. قال حينها لصحيفة اللوموند الباريسية: لا أقدر الآن على كتابة مثل تلك المقالة. فإسرائيل صارت دولة مثل بقية الدول التي تخضع للإنتقاد. والأسرائيليون فقدوا تفوقهم الأخلاقي ، ولايمكنهم الكلام ، بلا رياء ، عن معسكر أوشفيتس ، فهم يستخدمون ضد الفلسطينيين أساليبا تليق بالغستابو..
و أذكر أنني سألت ديرنمات أثناء ذلك اللقاء في الجامعة : هل أنت باق على هذا الرأي ؟. وقد هز رأسه موافقا..
ما كان يسحر ديرنمات ( وأنا أُصبت بعدواه أيضا ! ) هو موضوع التكنولوجيا ، ومنطلقه يتمثل بهذه الكلمات : التقنية هي حقيقة بيولوجية أيضا ، ومثل العدسة الفوتوغرافية التي هي تطوير للعين. وكانت التقنية لغاية مائتي سنة مضت ( أنتيكية ) ولكن مع الكهرباء إكتشِفت الصلات بين العلم والتكنيك. وأدرك الإنسان أن الفيزياء هي علم قابل للتطبيق العملي..
وكشف عن هذا الموقف في إحدى أشهر مسرحياته ( علماء الفيزياء ) من عام 1962 . وفيها وضع أبطاله ، وكانوا آباء القنابل الذرية والهيدروجينية وغيرها، في مستشفى للأمراض العقلية.. ويجدر بالقول إن هذه المسرحية كانت تذكّر بألمانيا العشرينات التي عكست صورتها المشوّهة و المفجعة فنون التعبيرية وأدبها وفلمها ، مثلا فلم ( غرفة الدكتور كاليغاري) التي كانت تنبوءا مرهبا بقدوم هتلر.
إن تقنية الكتابة لدى ديرنمات بالغة الأصالة والتعقيد في الوقت ذاته. فكل أعماله لاتتميز ببنية واضحة ولايمكن مقارنته ، هنا ، بأرثر ميللر أو سارتر. وفي عدد من أعماله يقترب كثيرا من بريخت وماكس فريش. وكان يبدو كأنه يتعمد التعقيد . وهو القائل ، مثلا ، إن الدراما الكلاسية قد ولى زمانها. فما يهدد الإنسان المعاصر ، ، ليس القدر وغضب الالهة ( أو إله واحد ) بل ( كوارث السيارات والفيضانات التي يكون سببها الخطأ في التصميم والتنفيذ ، والتفجيرات الذرية.) ، أي ان طريقنا يمضي عبر الكوارث و( دور الكاتب مثل دور القابلة كما قال سقراط. إنه ضروري عند ولادة الطفل أما ما يحصل للطفل بعد ذلك في الحياة فهو أمر مجهول). غير أن ديرنمات إتجه في أواخر عمره صوب الفلسفة بهمّة أكبر. وعلى وجه التقريب لم يقرأ الأدب (عدا بضعة كلاسيين ) في سنواته الأخيرة. كان يرى أن المغامرات الفكرية الحقيقية تجري في ساحة الفلسفة لذلك إهتم بالمنطق والرياضيات أيضا. إنكب على قراءة وايتهيد وعاد الى فلاسفته المفضلين ( أفلاطون ، أرسطو ، ديكارت ، سبينوزا ، كانت ). فلديهم وجد ذات المتعة التي وجدها في قراءة الروايات لكنه إعتبر درس هؤلاء الفلاسفة أكثر عمقا. وقد وجد ديرنمات أن أفلاطون قد أثبت في مؤلفه ( الأساطير ) بأنه أفضل راو عرفه التأريخ ، وقد يكون أفضل قدوة لكتاب الرواية أيضا..
وكما قال فإنه يستقي تأملاته ، في عمله الأدبي، من مصدرين : الميثولوجيا والعلم المعاصر. و لربما يبدو الربط بينهما نوعا من المفارقة لكنها في الحقيقة مفارقة في الظاهر حسب. فكما قال تولد الأسطورة حين لايمكن التعبير عن عبثية العالم إلا بمساعدة الصور في حين أن نظريات العلم تجهد في عقلنة العالم لكنها لاتفلح دائما. وكان ديرنمات قد كتب مقالة طويلة عن آينشتاين سعى فيها الى تبيان مسألة قيام الفيزياء المعاصرة بتسليط ضوء جديد على مصائر الإنسان. والفكرة التي كان يكررها ديرنمات دائما تصوّره العالم كلعبة للشطرنج بين الخير والشر ، أما البيادق فهي البشر.. لكنها لعبة لن تنتهي ولسبب واحد لاغير وهو أن قوى اللعبة متكافئة..

ديرنمات : مسرح العبث يعرّي ويقع في التناقض أيضا..

عندما قيل عنه بانه أستاذ مسرح العبث كان يصحح ذلك دائما بسرد هذه الواقعة : حين عملت في باريس كنت غالبما ألتقي بأيونسكو. كان التفاهم بيننا رائعا. وبعد العرض الأول لمسرحيتي ( زيارة السيدة العجوز ) سمعت منه مجاملة ذات معنيين : (بعد هذه المسرحية يمكنك أن تتوقف عن كتابة المسرحيات ). وبالمناسبة يمكن القول إن بعد ( وحيد القرن ) كان على أيونسكو أن لايكتب مسرحيات أخرى.. أنا لا أحب مصطلح ( مسرح العبث ) ، فهو بالأحرى مسرح التغريب والمفارقة. إنه يعّري ويقع في التناقض في الوقت نفسه ، وفي الأخير فالفيلسوف غيديل
Goedel بيّن أن لا وجود لنظام فكري غير متناقض داخليا ..
وكانت قد مرت فترة طويلة توقف ديرنمات فيها عن كتابة المسرحيات وتوّجه الى الرواية والمقالة. كانت آخر اعماله رواية ( العدالة ) التي كان قد بدأ كتابتها في عام 1958. وجاءت تعرية قاسية للرياء والأخلاقيات المزدوجة في المجتمع المتطور لكن من ناحيتين فقط – التقنية والإقتصادية. وعن هذه الرواية قال حينها( أي أثناء زيارته الأخيرة لوارشو ): هذه هي الأخلاقيات السائدة في أوربا اليوم. فالأيدولوجيا تضاءلت أهميتها. وينبغي القول إنها كانت أيدولوجيا إقتصادية في شرق أوربا شأن أيدولوجيا الرأسمالية حيث لايرافق التطور التكنولوجي و الإقتصادي الآخر الفكري. لقد صار الإنسان واقفا على قاعدة تمثلها وسائل الإعلام ولاسبيل أمامه كي يجرّب بشكل ملموس. مثلا أنا أعرف أن الأرض تدور حول الشمس لكنني غير قادر شخصيا على إثبات هذا الأمر. وحقائق العالم يمكن تفسيرها لكن يصعب هضمها. خذوا مثلا ألمانيا واليابان اللتين أشعلتا الحرب العالمية الثانية. إنهما اليوم قوتان إقتصاديتان كبريتان..
وبقي ديرنمات ذلك المثقف الذي تنازعه الشك بل الهلع من نزعات معينة في الإنسان الذي يتصرف ، كما قال ، بحكم منحدره الحيواني. فهو أناني كبير يكون الخير المشترك أقل أهمية من تحقيق أغراضه والرغبة في تطمين وجوده. وخاطب حينها طلبة وارشو : أنا لست شيوعيا ، وأرى أن ماركس كان مفكرا لم ينتبه الى أن الرأسمالية ليست منهجا
system بل مجرد نظام order إجتماعي طبيعي .. أنا لا أريد أن أكون ثوريا و لا مصلحا للعالم. فمثل هذا الموقف مليء بالسذاجة. نعم إن العالم يتغير لكنني لا أعرف أين إسهامي في هذا التحول. الزارع يزرع إلا أنه لايعرف أيّ بذرة من بذوره ستنمو. وأنا أختلف عن بريخت في أنه كان يؤمن بالعالم الذي هو قابل للتغيير وفق شعار ( المعرفة المناسبة – السياسة المناسبة – الناس المناسبون). ولكن هذا الثالوث ليس ( مناسبا ) بالأساس. نعم ، إن العالم يتغير بفضل الإنسان ، ولكن الإنسان لايتغير ، إذ يقع ضحية للعالم الذي سبق أن قام بتغييره. نحن بأنفسنا نبني عالم الكوارث. أكيد أن إحداها ستكون أكبر من ( تشيرنوبل ). والمشكلة ليست في التكنيك بل الإنسان الذي هو أكبر العوامل غير الموثوق بها..
أما الأدب فرآه ديرنمات ود دخل منطقة الظل ، والثقافة الحقيقية أصبحت متحفا ، ومنطقة الحسم إنتقلت الى العلوم البحتة ، و( كل فن هو تضييق لرقعة الحياة. إنه مجرد سوء فهم طرفاه الفنان والحياة) ..

وقائع أوربا تحت مجهر ديرنمات

في مسرحيته ( رومولوس الكبير ) من عام 1949 يعامل ديرنمات التأريخ مجرد حجة لطرح رؤياه الفلسفية ، فهو يغيّر الوقائع وصور الاشخاص وفق مبدأ اللعب الحر بالأشكال والمفاهيم القائمة على عنصر التأمل حسب. فرمولوس ديرنمات يسعى طيلة حياته الى تهديم الهيكل المنخور للإمبراطورية الرومانية ولكن من الداخل. إنه قاض قرر إنزال العقاب بروما جزاء كل جرائم هذه الدولة الطاغية بيد أن هذه العدالة المفجعة لاتبدل شيئا في بنية التأريخ. فخليفتها أي الإمبراطورية الجرمانية كانت محض مواصلة للسابقة فيما يخص البعد الأخلاقي . وهناك من يفسر ثيمة ديرنمات هذه بكونها إيماءة الى تأريخ أوربا القرن العشرين. ومما لاشك فيه أن في هذا الشيء تبسيطا لجدلية هذا العمل المسرحي البارز. وكان ديرنمات قد إستفاد هنا من نماذج برنارد شو لكن مع فارق واحد وهو أن الكاتب السويسري مزج الأجواء القاتمة بأخرى أكثر سخرية بل دفعها صوب الصنف الكوميدي. ويأتي هذا متساوقا مع منطلقه الفكري والفلسفي. فهو قد لحظ في التأريخ والسياسة وعلم النفس مادة للإثارة والفضيحة الأخلاقية أيضا. وعبر تقنية متميزة جمع عناصرا من الرواية البوليسية العادية بأخرى للوعي المفجع. ولعل كوميدياه ( زيجة السيد مسيسيبي ) من عام 1953 تبيّن ، بوضوح ، تقنية الجمع بين عناصر هي متنافرة في الواقع الإعتيادي مثل العدالة القائمة على الجريمة..
من الناحية التقنية جابه ديرنمات في كوميدياته المفجعة تقاليد المسرح السايكولوجي بمباديء تجريدية من أجل أن يعّري وقائع أوربا المعاصرة.
وفي مسرحيته ( هبط الملاك في بابل ) من عام 1953 ، وهي بمثابة كوميديا شعرية فنتازية أخذ النموذج من مسرحية أوغست سترندبرغ المعروفة ( لعبة الأحلام ). وفيها عكس ديرنمات أجواء فوضى العالم المعاصر الذي يريد فيه الإنسان ، وهو وحيد وأعزل ، أن يعثر على الخير والشر كي ينقذ ( إنسانيته ) و ( شخصانيته ) اللتين ضاعتا في متاهات الحضارة الصناعية. وبعضهم لاحظ في المسرحية أصداء لفلسفة سارتر ومونييه اللذين تكلما عن الحياة المهددة من قبل الأشياء التي تم حشرها في دواليب الحضارة. ومن الناحية الشكلية فهذه المسرحية هي مجرد كوميديا بل حكاية فلسفية وموعظة تدعوالى الشكوكية عبر السخرية المرّة التي تجسّدها الأفكار والأساطير والآراء والعادات و.. التأريخ ، فأبطالها الحقيقيون ليسوا تماما من لحم ودم. وكتب ديرنمات في ختام المسرحية : إن عالمنا قد وصل الى الغروتسك وليس القنبلة الذرية وحدها ..
ومعلوم أن مسرحية ( زيارة السيدة العجوز ) من عام 1956 كانت أكبر نجاح حققه ديرنمات. وفحواها يعتبر مواصلة لفكرته عن العدالة القائمة على الجريمة. وهناك تفسيرات عدة للمسرحية لعل أكثرها شيوعا أن المسرحية ترمز الى العلاقة بين أوربا وأمريكا. فالثانية هي تلك السيدة العجوز التي عادت ، كمليونيرة ، الى مدينتها الصغيرة ( أوربا ) التي لفظتها كبغي. ومع الزيارة حلت ساعة الإنتقام: أن يقتل سكان المدينة الرجل الذي أغواها ، مقابل هبات مالية كبيرة ( مشروع مارشال )..
و قد يكون محقا ذلك الناقد الذي وجد ان ديرنمات كان يكتب وفق مقولة إن الضحك لا غيره يقي الإنسان من الإنهيار حين يرقب العالم الذي هو ، وفق كلمات شكسبير التي وضعها في فم مكبث ، ( رواية الأحمق الصاخبة التي لاتعني شيئا )..
أما مسرحية ( فرانك الخامس – مسرحية مصرفية ) من عام 1959 فكانت بمثابة جمع مبتكر للأفكار التي طرحها بريخت في مسرحيته ( أوبرا بثلاثة قروش ) و( صعود آرتورو أوي ). غير أن ديرنمات قد عرّى بأسلوبه المتميز السطوة المطلقة للنقود.
وفي مسرحية ( منكرو التعميد
Anabapists ) من عام 1967 عاد ديرنمات الى ذلك السؤال اللحوح الذي رافق كامل أدبه: على هذا العالم اللاإنساني أن يصبح أكثر إنسانية ،ولكن كيف ؟. و بقي السؤال بدون جواب في المسرحيات الأخرى أيضا : ( النيزك ) من عام 1966 و( الملك يوهان ) من عام 1968 ( و لعبة سترندبرغ ) من عام 1966 و( الشريك ) من عام 1972.