|
قراءة في مسرح الغد
عبد الكريم
العامري
قبل
البدء في قراءة مسرح الغد ، لابد أن نؤشر بعض معالم مسرح الأمس القريب ،
خاصة وأن المشهد قد طوى آخر صفحاته بسقوط تمثال الفردوس ، يوم فرغ المسرح
أو كاد من رموزه وأعمدته ، وانكفأ على ذاته ، يحمل جراحاته بصمت وسط ضجيج
حاول تقويض أركان المسرح العراقي العتيد .
مسرح الأمس القريب ، التسعيني على وجه التقريب ، كان معتماً بطبوله
الفارغة ، وأصواته المبحوحة ، وأفكاره الهجينة . تسيّرهُ السلطة كيفما
شاءت بعدما حاولت إذلال الفنان العراقي والحط من قدره وإبداعه وتغييب
أسماء كان لها الدور الكبير في إرساء أسس المسرح الحديث في العراق مستغلة
في ذلك هجرة المبدعين إلى مدن الأرض البعيدة .. ذلك المسرح لم يؤدِّ
دوراً مشهوداً عدا تطبيله لنظام أحرق الخضر واليابس .. وفي الوقت الذي
كنّا نحتار فيه من كلفة إنتاج ( مونودراما ) حيث ندفع من قوت عيالنا ،
كان النظام باذخاً على أعمال هابطة رديئة مثل زبيبة والملك الذي كلّف
ملايين الدنانير العراقية ..
نستطيع الآن أن نتلمس درب المسرح العراقي في تلك الفترة فهو يسير في
تيارين متعاكسين متضادين :
التيار الأول : تيار مسرح السلطة ومهرجي النظام .
التيار الثاني : تيار المبدعين الأصلاء .
بالنسبة إلى التيار الأول فقد ضم موظفين وليس مبدعين كانوا مسيّرين على
خطى الأفكار الفاشية التي تروّج للحروب وتمتدح ( القائد الضرورة ! ) ..
وتؤسس لمسرحٍ خالٍ من القيم الجمالية . لاشيء سوى رضا السلطة ولا ملاذ
إلا بأحضان الفاشستيين . هذا التيار حاول أن يجرجر معه بعض الأسماء التي
كنا نعوّل عليها حيث الهاوية ، وأن يلطّخ أسماء أخرى بالعار الذي لا خلاص
منه .
أما
التيار الآخر ، تيار المخلصين المبدعين فقد كان في الظلِّ ، يعمل بدأب
وصمت ، ويموّه منجزه الأبداعي من خلال نصوص تخترق الرقيب ( الغبي ! ) ،
والرقيب لم يكن غير مخبرٍ من أولئك الذين قوّضوا الإبداع وغيّبوه .
في
النصِّ ثمّة الم إنساني ، يتعدى حدود الرقعة الجغرافية ، بل ويتعدى حدود
الذهن أيضاً ، هو احتواء كبير لمجتمعٍ ينزف . هذه ميزة أغلب نصوص هذا
التيار مثل ( يا طيور ، النهضة ، قيد دار ، أسنان الحصان كم تساوي –
لجماعة الناصرية - ، كاروك ، ملابس العيد ، في رأسي بطل ، أنه يسكن رأسي
) هذه النصوص عالجت الوضع البائس لوطنٍ متخمٍ بالنفط ! .. وهي بمثابة
مسبار يغور في رحم المجتمع ليرتقي به حيث مصاف الإنسان .. وكان المشتغلون
في هذا التيار يراهنون على خلاص قادم ، وأملٍ يُفتحُ من جديد . استطاعت
هذه الأعمال أن تؤدي غرضها ، وأن تضفي نكهةً صادقة وتؤثر في مهرجانات
زائقة .. إتّخذت تلك النصوص مكانتها في ذاكرة الناس بينما إنطفأت والى
الأبد نصوص السلطة .
وها
هو الغد الذي حلمنا به وراهنّا عليه يأتي ، ويُلقي بضوئه في مساحات وطننا
الكبير ، ولم ينتظر المسرحيون المبدعون فقد كانوا توّاقين لأن يقدموا
أعمالاً تؤدي غرضاً جمالياً لمجتمعٍ فقد الأمن وحل به الخراب . وعقد
مهرجان في بغداد ، وآخر في الناصرية ، وثالث في البصرة .. تلك المهرجانات
تؤكد هوية المسرح العراقي الحقيقي ، صحيح أن تلك العروض قُدِّمت في زمن
الاحتلال لكنها أوصلت رسالة المسرح لرفض الهيمنة وهي تؤسس بداية مشجعة
لمهرجانات أكبر وأنقى .
أن
خصوصية الفن العراقي بمختلف أجناسه تتضح من خلال الأصرار القوي للفنان
العراقي على أن يثبّت ركائزه من جديد في مجتمع حر ديمقراطي وأن المشهد
الثقافي العراقي سيشهد أعمالاً من تلك التي أثبتت حضورها في ذاكرة
المشاهد ونحن ننتظر عودة المبدعين من المسرحيين إلى بلدهم لتقديم منجزهم
واكمال مسيرتهم الرائدة ، ننتظر صلاح القصب ، وعوني كرومي ، وجواد الأسدي
.. ننتظر كل الذين أكلتهم المدن الغريبة وهم يحلمون بوطنٍ حرٍ موحد .
ان
هجرة مسرحيينا الى مختلف بلدان الأرض – رغم المعاناة – هي بالتأكيد إضافة
نوعية لخزينهم الثقافي والمعرفي وفتحت الباب واسعاً لتلاقح الثقافات وهذا
ما سيؤثر إيجاباً على مسرحنا المنشود ؛ مسرح الغد .. مسرح بلا قيود ولا
مؤسسات قمعية ، يخترق الحواجز ويرتقي بالمجتمع حيث نريد . أن الطموحات
كبيرة وكثيرة وما علينا الا أن نأخذ من الماضي عبرة وحافزاً للأنطلاق من
جديد .
|