السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  19- 4- 2004

ليس من الأهمية أن تنتج الحكومة المسرح والسينما

 

هادي ماهود

hadimahood@hotmail.com

 

وسط الركام وماخلفه اللصوص تدافع بعض الناجون لأنقاذ المسرح  الذي كان شأنه كالعراقي مشروع دائم للأغتيال ، فبعد أن كان المسرح العراقي رائداً للمسارح الناطقة بالعربية، أخضعه الطغاة ليسهم في العجلة الأعلامية لحروبهم التافهة فأضافوه لفيلقهم الثامن، أذكر أن صباح عطوان كتب مسرحية رائعة أسماها ( رجال من لارسا ) أخرجها أخي عبدالحسين ومثلت فيها لفرقة المثنى للتمثيل وفيما بعد قدمتها الفرقة القومية بأسم ( المحطة ) فكانت هزيلة حافلة بالأسفاف حتى أني سألت صباح عطوان في فترة الأستراحة عن هذا التشويه فأجاب بالحرف الواحد لو أني في بلد آخر غير العراق لقاضيت المخرج والفرقة والممثلين لهذا التجاوز على نصي لكن ماذا أفعل وقد حضر وزير الأعلام البارحة وأشار فرحاً بأن هذا هو المسرح الذي ننشد.              

 في زيارتي الأولى للعراق صورت فيلماً عن مسرح الرشيد ودائرة السينما والمسرح فكانت كاميرتي تنقب في الغرف والممرات المحترقة عن بقايا الوثائق والنصوص والصور والأشرطة وكل مايشير الى تاريخ مسرحنا وسينمانا العراقية وهالني كم هائل من كتب مرفوعة لديوان الرئاسة بشأن مسرحيات وأفلام ولاأدري ماشأن ديوان الرئاسة بأنتاج مسرحية أو فيلم؟  لكنها الديكتاتورية. وهذا لايعني غياب الأصوات الوطنية المبدعة التي لجأت الى فنون الأستعارات والترميز لقول الحقيقة وإنارتها وسط ظلام عراقي دامس، فكان منتدى المسرح متنفس يتبادل المسرحيون فيه الصراخ داخل جدران  كاتمة عصية عن الأختراق الى شارع الرشيد المجاور والذي يلفه الخوف حيث المفارز والعيون السرية والأختطافات الى مقابر جماعية فتلك مفردات يومية لوطن مغتال.                                                                                                                                               

في ظل الهياج الذي أعقب إندحارالنظام الساقط وماتوفر من حرية إستغلها بعض المتطرفين ليحاولوا إختطاف العراق الى تورا بورا أو طهران  حتى أن شوارع العراق توشحت باللون الأسود فتحول البكاء الى موسيقى يومية واللطم والزنجيل طقس دائم، وما يثير الأسى أن بعض المسرحيين ركبوا الموجة ذاتها فلبسوا عباءات المتطرفين وتسابقوا لأنتاج أعمال تغازل هذا التيار!. حتى أن واحداً من أهم أساتذتنا الذي إنتهى قبل تحرير العراق بأشهر قليلة من إخراج مسرحية( زبيبة والملك) لبس على الفور  عمامة الشهيد محمد باقر الصدر ممثلاً لشخصيته في واحدة من عروض مابعد التحرير. وقد تسنى لي أن أشاهد مسرحية عرضت في الناصرية في ليلة من ليالي رمضان لأشهد بعد العرض مباشرة قوافل عزاء شقت شارع الحبوبي فلم أجد فرقاً بين ماقدمه لي العرض ومافرضه الشارع.                                                                                                                           

العائد الى العراق سيصطدم بأن الوجوه ذاتها التي كانت أداة طيعة لنظام الحقبة الماضية مازالت تتربع على ذات الأماكن وترسم إستراتيجيات المستقبل بذات الخبرة، أما وزارة الثقافة فشأنها شأن باقي التشكيلات التي مازالت تفتقر السيادة وبالتالي فأن المشاريع لايمكنها أن تتخطى مساحات الورق ، والمؤسف أن البيروقراطية مازالت على أشدها، فتصوروا أني كتبت للسيد مفيد الجزائري وزير الثقافة وبعثت ماكتبته بيد مستشاره الشاعر صادق الصائغ ولم أتلقى أي رد وقد ضرب لي الصائغ موعدين للقاء ولم يلتزم بهما وبعثت له إيميل من أستراليا ولم يرد عندها قررت الأنتماء لواحد من أهم الأحزاب التي يزدحم بها الشارع العراقي وهو حزب ( الغاسلين إديهم).                                                                                                                        

من أجل النهوض بالمسرح والسينما العراقية لايجب أن يهمل فنانوا الخارج من المساهمة في رسم الصورة المستقبلية لهذا القطاع، فقد أتيح لهؤلاء الفنانين مساحات هائلة من الحرية في بلدان بتقاليد ديمقراطية وصيغ متعددة لدعم الفنان وبالتالي فأن هؤلاء سينقلون خبراتهم لعراقنا الذي حرم من هواء الحرية لعقود وحرم الفنان فيه من أبسط حقوقه. أعتقد أن مؤتمراً موسعاً لتدارس واقع الحال والنهوض فيه يشترك به فنانوا الداخل والخارج شئ ملح، وقد طرح هذا المشروع لكنه لم يخرج عن كونه مشروع ولاأدري متى سيتسنى له التحقيق. لاأعتقد بأن من الأهمية أن تنتج الحكومة المسرح والسينما كما كان بل أن تقدم الرعاية والدعم للفرق والشركات والفنانين المستقلين لأنتاج أعمالهم شريطة أن ترتقي هذه الأعمال بالمسرح والسينما العراقية وأن لايستغل الدعم لترويج أعمال هابطة ذات منحى تجاري.